في بلاغة القرآن

بلاغةُ التَّنويع في الخطابِ القُرآني
بلاغةُ التَّنويع في الخطابِ القُرآني

 

مَنْهَجُ البَيانِ القُرآنيّ في التَّنويعِ(1)، فقَد جاءَ أسْلوبُ التَّنْويعِ إيثاراً للجَمالِ الفَنّيّ بالتّنْويعِ الْمُجَدِّد لِتَنْبِيهِ الفكر، أو إيثاراً للتّجْديدِ في الإِبْداعِ؛ فَمِنْ شَأنِ التَّجْديدِ تَحْريكُ الذِّهْنِ في مُخْتَلِفَاتٍ مِنَ الأساليبِ، والتَّمكينُ مِنْ وَضْعِ أفْكارٍ وأغْراضٍ بَيانيّةٍ وتَرْبويّةٍ في ظِلالِ النَّصّ، تُكْتَشف حيناً بعد حين، كلّما تكرّرَتْ قِراءَةُ النَّصِّ، أو تَكَرّرَ سَمَاعُه، مع جَعْلِ النّصِّ مُتَفَرِّداً بصِياغَتِه الكُليّة، كَتَفَرُّدِ كُلِّ مَخْلوقٍ بهَيْكلٍ وسِمَاتٍ تميّزه، مُراعاةً للإِبْداعِ الاخْتيارِيِّ في الأفْرادِ.

أمّا الغَفْلَةُ عَن مُلاحَظَةِ هذا التّنويعِ في أساليبِ الأداءِ البَيانيّ، فإنّها تَحْجبُ عَن مُتَدبّرِ النّصِّ القُرآنيّ الترابُطَ الفِكْريَّ في موضُوع النَّصّ، فَلا يُدْرِكُه إلاّ وحَدَاتٍ مُجَزَّآتٍ غَيْرَ مُتَرابِطاتٍ، وتَنِدُّ عنْه بسبب ذلك روائِعُ مَفَاهِيمَ، وقَدْ يَقَعُ في أغَالِيطَ، إذْ يُحَاوِلُ أنْ يَنْتَزِعَ ارتِبَاطاً منْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ لأدْنَى مُنَاسبَةٍ، أوْ شُبْهَةِ مُنَاسَبَةٍ، أوْ يخْتَرِعَ منْ عنده أُموراً لا أصْلَ لها ولا دليلَ عليها.

 

ومِن شَواهِدِ التَّنْويعِ في أساليبِ البَيانِ القُرآنِيّ ما جاءَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ مِنَ المنافِقينَ وضُعَفاء الإِيمان الذين في قلوبهم مَرضٌ، من أقْوالٍ وأعْمالٍ، هي مَظاهرُ لما في قُلوبهِمْ، «وإِذْ يَقولُ المُنافِقونَ والذينَ في قُلوبهِم مَّرَضٌ مّا وَعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلاّ غُروراً»(2).
هذا جُزْءٌ ممّا كانَ منْهم عُبِّرَ عَنه بأسْلوب: «وإذْ يَقولُ» أي بإذْ الظَّرْفِيَّة، والتَّقْديرُ اذْكُرْ إذْ، وبالفِعْلِ المضارِعِ «يَقُولُ» الذي يَدُلُّ على أنّ المقالةَ دارَتْ على الألْسِنةِ حتَّى شاعتْ، فَقالها المنافِقونَ، وتأثَّرَ بهمْ وقالَ مثْلَ قولِهِمْ الذين في قُلوبهم مَرَضٌ دونَ النّفاقِ، وهو مَرَضُ ضعْفِ الإِيمان.
أمّا الجُزْءُ الثّاني ممّا كانَ منهُم فَقَدْ عُرِضَ على النَّحوِ التّالي: «وإذْ قالَت طّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعوا»(3) . فجاءَ بأسلوب: «وإذْ قالَت» بإذْ الظّرفيّةِ، أي واذْكُرْ إِذْ، وبالفِعْلِ الماضي «قالَت» الذي يَدُلُّ عَلى أنّ هذهِ المقالَةَ قدْ قالَتْها طائفةٌ منْهم، ثُمَّ لم تتكرّرْ، ولم تَدُرْ عَلى الأَلْسِنة.
وأمّا الجُزْءُ الثّالثُ ممّا كانَ منهُمْ فقَدْ جاءَ أُسْلوبُ عَرْضِه عَلى النّحْوِ التّالي: «ويَسْتَأْذِنُ فَريقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقولونَ إنّ بُيوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُريدونَ إلاّ فِراراً»(4).
فجاءَ بأسْلوب: «ويَسْتأذِنُ فَريقٌ مِّنْهُم» بِصيغَةِ المضارِعِ، للدّلالةِ عَلى تَكرارِ الاسْتئذانِ مِنْ أفْرادِ هذا الفَريقِ، أو عَلى الإِلحاحِ به، ولم يأتِ عَلى النَّسَقِ السّابقِ مِن اسْتعمالِ الظّرفِ «إذْ» قَبلَه؛ لأنَّ حالتَهُم هذِه كانَت مُستمِرّةً مُستقِرّةً لا تَسْتدْعي التّذْكيرَ بِزَمَنِ حُدوثِها.
واعْتنى القُرآنُ المجيدُ بتَربيةِ هذا الفَريقِ المستأذِنِ، وببيانِ حالتِه النفسيّةِ وإقناعِه، لتصْحيحِ العناصرِ المخْتلَّة فيه من عناصِرِ القاعِدَةِ الإيمانيّةِ.
وأمّا الجُزءُ الرّابعُ ممّا كانَ مِنهُمْ، وهو التَّعْويقُ والتّثبيطُ عَن الخُروجِ مَع الرَّسولِ صَلّى الله عَليْه وسَلّمَ لمواجَهةِ عَدُوّه، فقَدْ جاءَ أسْلوبُ عرْضِه على النَّحْوِ التّالي: «قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ والقائِلين لإخْوانهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأتونَ البَأسَ إلاّ قَليلاً» . فاخْتلَفَ الأسلوبُ هنا جُمْلةً؛ إذْ نُلاحظُ أنّ التّعويقَ قَد عُرِضَ وَصْفاً ثابتاً لِفَريقٍ مِن المنافِقينَ، ولم يَذْكُرْهُ عَلى أنّه مُجَرّدُ عَرَضٍ طارئٍ اسْتدْعَتْهُ حالَةٌ مُزْعِجَة، في غَزْوةِ الأحْزابِ، فَحصَلَ فَهْمُ قِسْمِ التّعْويقِ والتّثْبيطِ من ذِكْرِ المعوِّقينَ.
وقَبْلَ ذِكْر المعوّقينَ بيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ تَحَقُّقَ عِلْمِه بهم، لِيُشيرَ هذا البَيانُ منْ طَرْفٍ خَفِيٍّ إشارةَ تَهْدِيدٍ لهم، بأنَّهُمْ مَكْشوفونَ مَعْلومونَ لله، وبأنّ عِقابَ الله يَتَرصَّدُهُمْ.
فمعَ التّنويعِ في الأسلوبِ لكَسْبِ التّعبيرِ جمالاً فنيّاً، وإبداعاً مُعْجِباً، اخْتِير لِعَرْض كلِّ جُزءٍ الأُسلوبُ الأنْسَبُ له، والأَكْثَرُ مضامِينَ فكريَّةً يُرادُ الدّلاَلَةُ عليها معَ ذِكْرِه، كإضافَةِ أنّ المعوِّقين مَعلومونَ لله عزّ وجلّ، وأنَّ تَعْوِيقَهُم لإِخوانهمْ صِفَةٌ ثابتَةٌ من صفاتهِم، ومُلازِمَةٌ لهم في كلِّ الأحْوالِ، فهم مُعوِّقّونَ دائماً، وقائلونَ في كلّ المعارك لإِخوانهم: هلُمَّ إلينا، لا تخرُجوا مَعَ محمّدٍ إلى قِتالٍ(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-  البَلاغَةُ العربيّةُ، أسُسُها وعُلومُها وفُنونُها، عَبْد الرّحْمن حَسَن حَبَنّكَة المَيْدانيّ، دار القَلَم/دِمَشْق، الدّار الشّامية/بَيْروت، ط.2، 1428هـ/2007م، ج:2/ص:322
2-   الأحزاب: الآية: 12.
3-    الأحزاب: جزء من الآية: 13.
4 -  الأحزاب: جزء من الآية: 13.
5-   الأحزاب: الآية: 18.

ومِن شَواهِدِ التَّنْويعِ في أساليبِ البَيانِ القُرآنِيّ ما جاءَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ مِنَ المنافِقينَ وضُعَفاء الإِيمان الذين في قلوبهم مَرضٌ، من أقْوالٍ وأعْمالٍ، هي مَظاهرُ لما في قُلوبهِمْ، «وإِذْ يَقولُ المُنافِقونَ والذينَ في قُلوبهِم مَّرَضٌ مّا وَعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلاّ غُروراً»(2).

هذا جُزْءٌ ممّا كانَ منْهم عُبِّرَ عَنه بأسْلوب: «وإذْ يَقولُ» أي بإذْ الظَّرْفِيَّة، والتَّقْديرُ اذْكُرْ إذْ، وبالفِعْلِ المضارِعِ «يَقُولُ» الذي يَدُلُّ على أنّ المقالةَ دارَتْ على الألْسِنةِ حتَّى شاعتْ، فَقالها المنافِقونَ، وتأثَّرَ بهمْ وقالَ مثْلَ قولِهِمْ الذين في قُلوبهم مَرَضٌ دونَ النّفاقِ، وهو مَرَضُ ضعْفِ الإِيمان.

أمّا الجُزْءُ الثّاني ممّا كانَ منهُم فَقَدْ عُرِضَ على النَّحوِ التّالي: «وإذْ قالَت طّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعوا»(3) .فجاءَ بأسلوب: «وإذْ قالَت» بإذْ الظّرفيّةِ، أي واذْكُرْ إِذْ، وبالفِعْلِ الماضي «قالَت» الذي يَدُلُّ عَلى أنّ هذهِ المقالَةَ قدْ قالَتْها طائفةٌ منْهم، ثُمَّ لم تتكرّرْ، ولم تَدُرْ عَلى الأَلْسِنة.

وأمّا الجُزْءُ الثّالثُ ممّا كانَ منهُمْ فقَدْ جاءَ أُسْلوبُ عَرْضِه عَلى النّحْوِ التّالي: «ويَسْتَأْذِنُ فَريقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقولونَ إنّ بُيوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُريدونَ إلاّ فِراراً»(4).

فجاءَ بأسْلوب: «ويَسْتأذِنُ فَريقٌ مِّنْهُم» بِصيغَةِ المضارِعِ، للدّلالةِ عَلى تَكرارِ الاسْتئذانِ مِنْ أفْرادِ هذا الفَريقِ، أو عَلى الإِلحاحِ به، ولم يأتِ عَلى النَّسَقِ السّابقِ مِن اسْتعمالِ الظّرفِ «إذْ» قَبلَه؛ لأنَّ حالتَهُم هذِه كانَت مُستمِرّةً مُستقِرّةً لا تَسْتدْعي التّذْكيرَ بِزَمَنِ حُدوثِها.

واعْتنى القُرآنُ المجيدُ بتَربيةِ هذا الفَريقِ المستأذِنِ، وببيانِ حالتِه النفسيّةِ وإقناعِه، لتصْحيحِ العناصرِ المخْتلَّة فيه من عناصِرِ القاعِدَةِ الإيمانيّةِ.

 وأمّا الجُزءُ الرّابعُ ممّا كانَ مِنهُمْ، وهو التَّعْويقُ والتّثبيطُ عَن الخُروجِ مَع الرَّسولِ صَلّى الله عَليْه وسَلّمَ لمواجَهةِ عَدُوّه، فقَدْ جاءَ أسْلوبُ عرْضِه على النَّحْوِ التّالي: «قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ والقائِلين لإخْوانهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأتونَ البَأسَ إلاّ قَليلاً» . فاخْتلَفَ الأسلوبُ هنا جُمْلةً؛ إذْ نُلاحظُ أنّ التّعويقَ قَد عُرِضَ وَصْفاً ثابتاً لِفَريقٍ مِن المنافِقينَ، ولم يَذْكُرْهُ عَلى أنّه مُجَرّدُ عَرَضٍ طارئٍ اسْتدْعَتْهُ حالَةٌ مُزْعِجَة، في غَزْوةِ الأحْزابِ، فَحصَلَ فَهْمُ قِسْمِ التّعْويقِ والتّثْبيطِ من ذِكْرِ المعوِّقينَ.

وقَبْلَ ذِكْر المعوّقينَ بيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ تَحَقُّقَ عِلْمِه بهم، لِيُشيرَ هذا البَيانُ منْ طَرْفٍ خَفِيٍّ إشارةَ تَهْدِيدٍ لهم، بأنَّهُمْ مَكْشوفونَ مَعْلومونَ لله، وبأنّ عِقابَ الله يَتَرصَّدُهُمْ.

فمعَ التّنويعِ في الأسلوبِ لكَسْبِ التّعبيرِ جمالاً فنيّاً، وإبداعاً مُعْجِباً، اخْتِير لِعَرْض كلِّ جُزءٍ الأُسلوبُ الأنْسَبُ له، والأَكْثَرُ مضامِينَ فكريَّةً يُرادُ الدّلاَلَةُ عليها معَ ذِكْرِه، كإضافَةِ أنّ المعوِّقين مَعلومونَ لله عزّ وجلّ، وأنَّ تَعْوِيقَهُم لإِخوانهمْ صِفَةٌ ثابتَةٌ من صفاتهِم، ومُلازِمَةٌ لهم في كلِّ الأحْوالِ، فهم مُعوِّقّونَ دائماً، وقائلونَ في كلّ المعارك لإِخوانهم: هلُمَّ إلينا، لا تخرُجوا مَعَ محمّدٍ إلىقِتالٍ(5).

ــــــــــــــــ

الهوامش: 

1-  البَلاغَةُ العربيّةُ، أسُسُها وعُلومُها وفُنونُها، عَبْد الرّحْمن حَسَن حَبَنّكَة المَيْدانيّ، دار القَلَم/دِمَشْق، الدّار الشّامية/بَيْروت، ط.2، 1428هـ/2007م، ج:2/ص:322

2-   الأحزاب: الآية: 12.

3-    الأحزاب: جزء من الآية: 13.

4-  الأحزاب: جزء من الآية: 13.

5-   الأحزاب: الآية: 18.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من بلاغة القرآن

من بلاغة القرآن

بلغ القرآن الغاية القصوى في البلاغة، وتبوأت المكانة السامقة في البيان والفصاحة، بما احتوى بين دفتيه من أساليبَ مرصوفٍ سبكُها، وتراكيب موصولٍ سلكُها، ومن معانٍ عميقةٍ، ودلالات ساميةٍ وأنيقةٍ...

تَفصيلُ المُجمَل، ورَوابطُه

تَفصيلُ المُجمَل، ورَوابطُه

من بَلاغة القرآن الكَريم الإجمالُ ثم التفصيلُ، إرسالُ الكليات ثمَّ إتْباعُها بالجزئياتِ المؤلِّفَة، ثم الربطُ بين تلك المُؤلِّفاتِ بروابطَ لغويّةٍ دقيقة تدلُّ على غايةِ البلاغَةِ ومُنْتَهاها في النظمِ والترتيبِ...

الرُّتْبَة ودلالَة الألفاظِ في قَوله تَعالى : « كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ »

الرُّتْبَة ودلالَة الألفاظِ في قَوله تَعالى : « كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ »

ذهبَ أحدُ الباحثين في مَجلس علميٍّ من مَجالس المُحاوَرَةِ والتَّدارُس إلى أنّ الخيريةَ في قوله تعالى: (كنتُم خير أمّة أخْرِجَت للنّاس تأمرونَ بالمَعروفِ وتَنهَوْنَ عن المُنكَر وتؤمنون بالله) قُدّمَت في الآيَة...