التعريف بمصادر لغوية

معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي (الحلقة الثالثة)
معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي
(الحلقة الثالثة)

 

قدمنا في الحلقتين السابقتين تعريفا بأهم مضامين كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية لمؤلفه حسين أحمد المرصفي، فكان المجلد الأول بمنزلة تمهيد للفنون الأدبية التي تناولها بعد ذلك بالشرح والتفصيل في المجلد الثاني من نحو وصرف وبلاغة وبيان وبديع...وارتأينا  أن نوضح كل فن على حدة نظرا لما يحويه هذا الكتاب بين ثناياه من علوم نفيسة، وكان موضوعنا هو محاولة دراسة حروف المعاني كما وردت في الكتاب قال المرصفي: «ورأيت إيرادها في هذا الموضع لتجيء المسائل الموقوفة على معرفتها بينة واضحة، ليس فيها إحالة فنقول: سبعة عشر حرفا تسمى أحرف الإضافة، لكونها تربط معنى كلمة بمعنى كلمة، والمربوط يسمى «متعلقا» - بكسر اللام-والمربوط به يسمى «متعلقا»-بفتحها- وهي:من، وإلى، وعن، وعلى، وعدا، وحاشا، وخلا، وفي، وكاف، ولام، وباء، وواو، تاء، ومذ، ومنذ، وحتى وكي»[1].

«مِنْ»: تفتح نونها لوقوع «أل» بعدها، وتكسر لوقوع ساكن آخر، وهي مشتركة بين معان، قال المالقي في كتابه رصف المباني في شرح حروف المعاني: «اعلم أن مِنْ تنقسم قسمين: قسم لا تكون زائدة وقسم تكون زائدة فالقسم الذي لا تكون زائدة لها خمسة مواضع»[2] الأول:ابتداء الغاية،وهو الغالب عليها حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه، وتقع لهذا المعنى في غير الزمان، نحو: «مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»]الإسراء: 1 [«إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ»]النمل: 30 ] وقوله تعالى: «مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ » ]الجاثية: 10 [وقوله تعالى« مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ »[الأحزاب: 53  ] وقوله تعالى:« وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ »]البروج: 20 [،  [وفي الزمان أيضا، بدليل « مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ»]التوبة: 108 ] وفي الحديث «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ، الثاني: كون ما بعدها علة لما قبلها، مثاله: أكرمتك من علمك، وكثيرا ما يذكر بعدها كلمة أجْل، فيقال: من أجل علمك. الثالث: كون ما قبلها مُبَعِّضًا لما بعدها، مثاله:أنفق من مالك يخلف عليك، وقوله تعالى:« منْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ » [البقرة:253] وعلامتها إمكان سد "بعض" مسدها كقراءة ابن مسعود «حتى تنفقوا بعض تحبون»، وقرأ الأكثر: «حتى تنفقوا مما تحبون» [3] الرابع:كون الشيء بدل الشيء بتعويض أو بغير تعويض، مثاله: أرغب في الأعلى من الأدنى. الخامس: كون ما بعدها هو الجنس المراد من أجناس يحتملها لفظ سابق عليها، وتسمى البيانية، مثاله:أنت على ما أسلفت من خير مأجور[4]، ونحو قوله تعالى:« وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ»[النور:43] فــــ "من" الأولى  فيها لابتداء الغاية كما تقدم، ومن الثانية لبيان الجنس والمعنى: من جبال من برد في السماء[5].

«إلى»: ألفها بدل من ياء تظهر في بعض الكلام، وهي مشتركة بين معان، الأول: كون ما بعدها من مكان أو وقت، غايةَ مسافةِ فعلٍ، وهي في مقابلة من الابتدائية، تقول: سار من المغرب إلى المشرق، من الصبح إلى العصر، الثاني: كون ما قبلها مصاحبا لما بعدها كقولك: فلان شرفه كرم حسب، وعلو نسب، إلى طبع نقي.الثالث: كون ما بعدها مفعولا لما قبلها لا فاعلا، وهذه تقع في تركيب «أَحَبّ»، في مقابلة لام، تدل على أن ما بعدها مفعول لما قبلها كقولك: زيد أحب إليَّ من عمرو، فإلى تدل على أن ما بعدها محبوب بخلاف أحب لي، فاللام للدلالة على أن مابعدها محب، ومثل أحب أبغض، وتسمى «اللام وإلى» في هذا التركيب حرف تبيين.[6] 
«عن»: ومعناها كون شيء فارقَ شيئا بعد اجتماع،[7] وتنقسم قسمين: قسم تكون اسما، وقسم تكون حرفا، وهي المقصود فإن لها في الكلام موضعين:

«إلى»: ألفها بدل من ياء تظهر في بعض الكلام، وهي مشتركة بين معان، الأول: كون ما بعدها من مكان أو وقت، غايةَ مسافةِ فعلٍ، وهي في مقابلة من الابتدائية، تقول: سار من المغرب إلى المشرق، من الصبح إلى العصر، الثاني: كون ما قبلها مصاحبا لما بعدها كقولك: فلان شرفه كرم حسب، وعلو نسب، إلى طبع نقي.الثالث: كون ما بعدها مفعولا لما قبلها لا فاعلا، وهذه تقع في تركيب «أَحَبّ»، في مقابلة لام، تدل على أن ما بعدها مفعول لما قبلها كقولك: زيد أحب إليَّ من عمرو، فإلى تدل على أن ما بعدها محبوب بخلاف أحب لي، فاللام للدلالة على أن مابعدها محب، ومثل أحب أبغض، وتسمى «اللام وإلى» في هذا التركيب حرف تبيين.[6] 

«عن»: ومعناها كون شيء فارقَ شيئا بعد اجتماع،[7] وتنقسم قسمين: قسم تكون اسما، وقسم تكون حرفا، وهي المقصود فإن لها في الكلام موضعين:

الموضع الأول: أن تكون حرف جر ولها في ذلك معان:

المعنى الأول المزايلة: نحو قولك: رميت عن القوس، واحتجبت عن فلان، وقوله تعالى: « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ »[التوبة:43] ، وقوله تعالى:« فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ »[المائدة:13] ، ومن ذلك: تجاوزت عن فلان وكفرت عنه، وقوله تعالى:« نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ »[النساء:31].

المعنى الثاني: أن تكون بمعنى «بعد» نحو قولك:"أطعمته عن جوع وآمنته عن خوف" أي بعد جوع وبعد خوف، قال الله تعالى: « عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ »[المؤمنون:40] أي بعد قليل، و«ما»قال الشاعر:

نؤوم الضحى لم تنتطق عن تَفَضُّلِ.

وقال آخر: لقحت حرب وائِل عن حِيَالِ

وقال آخر: وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَنْ مَنْهَلِ

أي: «بَعد» في ذلك كله.

المعنى الثالث:أن تكون بمعنى "على" نحو قولك: أفضَلْتُ عَنْكَ، بمعنى عليك، قال الشاعر:

 لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ=عَنِّي ولَا كنتَ دَيَّانِي فَتُخْزُونِي

المعنى الرابع: أن تكون بمعنى"من أجل" نحو قولك: قام فلانٌ لك عن إكرامك وشتمك عن مزاحٍ معك، المعنى: من أجل، قال الشاعر:

وَلَقَدْ شَهِدْتُ إِذَا القِدَاحُ تَوحَّدَت= وَشَهِدْتُ عِنْدَ اللَّيْلِ مُوقِدَ نَارِهَا

عَنْ ذَاتِ أَوْلِيةٍ أُسَاوِدُ رَبَّهَا= وَكَأنَّ لَوْنَ المِلْحِ لَوْنُ شِفَارِهَا[8] 

المعنى الخامس: أن تكون بمعنى الباء، نحو قولك:«قمت عن أصحابي»، قال امرؤ القيس: 

تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ أَسِيلٍ وتتَّقي= بِنَاظِرَة من وحشِ وَجْرَةِ مُطْفِلٍ

أي بأسيل ولا يكون المعنى: تصد عن أسيل وتبدي به=ولا تصدُّ بأسيل وتبدي عنه. [9] 

الموضع الثاني: أن تكون بمعنى" أَنْ" وهي لغة لبني تميم، يقولون في أعجبني أن نقوم:«أعجبني عن نقوم»، وكذلك قال بعضهم: إن تميما انفردوا بالعنعنة، يعني أنها تقول في موضع"أَنْ":عن، وعلى ذلك أنشدوا بيت ذي الرمة:

أَعَنْ تَوَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةٍ=مَاءُ الصَّبَابَةَ مِنْ عَيْنَيكَ مَسْجُومُ

«على»: ألفها بدل من ياء تظهر في بعض الكلام، ومعناها: كون شيء فوق شيء حسا أو معنى، نحو: زيد واقف على الأرض، على نية المشي. [10].

و«على» لها ثلاثة أقسام، قسم تكون اسما، وقسم تكون فعلا، وقسم تكون حرفا، وليس غرضنا في الوجهين وإنما غرضنا الحرفية، وهي حرف جر للأسماء ومعناها العلو«حقيقة» وكقولك: طلع على السَّقْف، واستوى على جبل أو كقول الشاعر:

قَدْ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ= مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقٍ

أي: استولى وقهر، ومن هذا المعنى أو قريب منه قولهم:خرقت على فلان ثوبه، وأحرقت عليه داره، وهو لم يلبس الثوب ولا دخل الدار. [11] 

«عدا وحشا وخلا»: وهي أدوات يستثنى بها، مثال: خرج أهل البلد عدا زيدٍ، وحاشا عمروٍ، وخلا بكرٍ.[12] 

وهي أفعال ماضية، ضمنت معنى «إلا» الاستثنائية، فاستثنى بها، كما يستثنى بإلا.

وحكم المستثنى بها جواز نصبه وجره، فالنصب على أنها أفعال ماضية وما بعدها مفعول به، والجر على أنها أحرف جر شبيهة بالزائد، نحو: جاء القوم خلا علياًّ أو عليًّ.

  وإذا اقترنت بخلا وعدا ما المصدرية نحو: جاء القوم ما خلا خالداً وجب نصب ما بعدهما، ولا يجوز جره، لأنهما حينئذ فعلان، وما المصدرية لا تسبق الحروف، والمصدر المؤول منصوب على الحال بعد تقديره باسم الفاعل، والتقدير: جاء القوم خالين من خالدٍ. [13].

هكذا قال النحاة، وأنت ترى ما فيه من التكلف والبعد بالكلام عن أسلوب الاستثناء، والذي تطمئن إليه النفس أن «ما» هذه ليست مصدرية وإنما هي زائدة لتوكيد الاستثناء، بدليل أن وجودها وعدمه، في إفادة المعنى سواءٌ، على أن من العلماء من أجاز أن تكون زائدة، كما في شرح الشيخ خالد الأزهري لتوضيح ابن هشام[14].

 أما حاشا فلا تسبقها «ما» إلَّا نادرا، وهي تستعمل للاستثناء فيما ينزه فيه المستثنى عن مشاركة المستثنى منه، تقول:«أهمل التلاميذ حاشا سليم »، ولا تقول«صلَّى القومُ حاشَا خالدٍ»لأنه لا يتنزه عن مشاركة القوم في الصلاة، وأما سليم في المثال الأول فقد يتنزه عن مشاركة غيره في الإهمال [15].

«في»: هي مشتركة بين معان، الأول: كون ما بعدها ظرفا لما قبلها، نحو: الماءُ في الكُوب، الثاني: كون ما بعدها سببا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«دخلت امرأة النار في هرة، حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»، الثالث: كون شيء فوق شيء، فهي كعلى، نحو قوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» [طه:71] [16].

«الكاف»: هي مشتركة بين معنيين، أحدهما: كون ما قبلها شبيها بما بعدها، مثل: «زيد كالقمر»،  وثانيهما: كون ما بعدها علة لما قبلها، مثل قوله تعالى:« واذكروه كما هداكم»[البقرة:198][17]. 

«اللام»: وهي مشتركة بين معان؛ أحدها:كون ما قبلها مملوكا لما بعدها نحو: وهبت لزيد ديناراً، أو منزلا منزلته نحو:« جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا»[الروم:21]، وثانيها: كون ما بعدها علة نحو قوله: وَيَوْمَ  عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي، وثالثها: كونه نهاية نحو:« كل يجري لأجل مسمى»[الرعد:21] [18] . 

«الباء»: هي مشتركة بين معان؛ أحدها: كون ما قبلها ملصقا بما بعدها، نحو: مررت بزيدٍ، وثانيها:كونه مصاحبا مثل: اشترى الفرس بسرجه، وأخذ الشيء برمته وبأسره، وثالثها:كون ما بعدها ظرفا، ورابعها: كونه سببا، قال تعالى:« فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» [النساء:160]، وخامسها:كونه عوضا، وسادسها: كونه آلة، وتسمى باء الاستعانة، وسابعها: كون ما بعدها مقسما ومحلوفا به لتأكيد الدعوى، أو الاستعطاف،«والواو والتاء» كالباء في معنى القسم لغير الاستعطاف. [19].

«مذ ومنذ»:هما بمعنى «من» إن صحبتا زمانا ماضيا، نحو: ما رأيتك مذ سافر سعيد، أو ما رأيته مذ يوم الخميس[20] وبمعنى «في» إن صحبتا زمانا حاضرا نحو: ما رأيته مذ يومنا، [21] وبمعنى «من إلى» إن صحبتا زمانا ماضيا بعضه، نحو: ما رأيته مذ ثلاثة أيام[22]،ومن الأمثلة التي ذكرها المرصفي: مذ أول يوم، ومذ يومنا، ومذ عام، ومذ يومين. أو ما رأيته مذ يومنا، ومذ وقتنا ومذ ساعتنا ومذ الآن، أي في هذه الأوقات[23]. 

«حتى» معناها: كون ما بعدها غاية لما قبلها، في أمر مرتب في الذهن شرفا أو خسة، مثل: اقرأ العلم حتى السحرِ،[24] ، وقوله تعالى: «سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ »[القدر:5].

«كي»: هي في هذا الباب لا تصحب إلا كلمة سؤال كما وردت عند المرصفي، وهي «ما» مثل: كيمه، فهي للعلة المطلوبة بما. [25] ، وهي على ثلاثة أوجه كما وردت عند ابن هشام:

أحدها:أن تكون اسما مختصراً من كيف كقوله:

كَيْ تَجْنَحُونَ إلى سِلْمِ وما ثُئِرَتْ=قَتْلاَكُمُ وَلَظَى الهَيْجَاءِ تَضْطَرِمُ

أراد «كيف»، فحذف الفاء كما قال بعضهم«سو أفعل» يريد سوف

الثاني: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملا وهي الداخلة على ما الاستفهامية في قولهم في السؤال عن العلة «كيمه» بمعنى لِمَه، وعلى «ما» المصدرية في قوله:

إِذَا أَنْتَ لَم تَنْفَع فَضُرَّ فَإِنَّما=يُرَجَّى الفَتَى كَيمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ

الثالث: أن تكون بمنزلة أن المصدرية معنى وعملا وذلك في نحو: «لكيلا تأسو» ويؤيده  صحة حلول «أن» محلها، ولأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل ومن ذلك:«جئتك كي تكرمني» وقوله تعالى:«كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً »[الحشر:7] [26]. 

أحرف التوكيد: وهي التي تُفيد بها أنك جازم بنسبة أمر إلى أمر، وهي: إِنَّ: بكسر الهمزة، وأنَّ بفتحها، ولام تسمى لام الابتداء، نحو: لَزيد أفضل من عمرو، وقد، تختص بالأفعال، نحو قوله تعالى: «قد أفلح المؤمنون»[المؤمنون:1]

حرف الاستدراك لكن، ومعنى الاستدراك: رفع وهم نشأ من الكلام السابق، نحو: فلان عالم لكنه سيء الخُلُق.

حرف التمني ليت، والتمني تشوف النفس وطلبها حصول ما لا يمكن أو يبعد، قال تعالى: « يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ ربِّنا » [الأنعام:27]، وقال تعالى: « يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم » [النساء:73] [27]، و«حرف التوقع لعل» نحو:«لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ »[غافر:37] [28].ويقال الترجي والترقب.

أحرف النفي هي: ما، ولا، ولن، ولم، ولما، وإن، ولات.

أحرف الجواب: نعم، بلى، وأجل، وجير، وإن، وإِي، فنعم، وأجل، وجير، وأن: لتصديق المخبر، ووعد الطالب، وإعلام السائل، ولا ضدها، وبلى لإبطال نفي سابق، «وأي» يغلب وقوعها بعد الاستفهام، ويصحبها القسم كقوله تعالى: «وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ»[يونس:53] [29] 

أحرف النداء: وهو التصويت طلبا للإقبال، أي، أيا، وآ، وياء، وهمزة مفردة «أ».

حرف العرض: وهو الطلب برفق أَلَا.

أحرف التحضيض: وهو الطلب بشدة ألَّا، وهلاَّ، ولولا، ولوما.

حرفا الاستفهام: الهمزة وهل؛ هل لطلب التصديق، فيكون المتكلم بها غير حاكم بوقوع النسبة يطلب أن تعلمه ليحكم، والهمزة مثلها ولطلب التصور، فيكون المتكلم بها حاكما، بوقوع النسبة مترددا بين فاعلين، أو مفعولين، أو مكانين، أو زمانين، أو حالين، أو غيرهما».

همزة التسوية: هي التي تقع بعد سواء غالبا ويؤتى معها بأم المتصلة كما يؤتى بها مع همزة الاستفهام. 

أحرف الشرط: إِنْ، وَلَوْ، وَأَمَّا، وَلَوْلَا، وَلمَّا؛ فـ«إن» لتعليق حصول أمر على أمر آخر مشكوك في حصوله، لكن بفرض حصوله يلزم حصول ما علقته به، ووقفته عليه، وهذا هو معنى لفظ الشرط، وتمام الكشف عن ذلك أن كل أمر متردد بين: أن يكون، وأن لا يكون لا بد له من سبب يرجح أحد طرفيه، وربما توقف تحقق ما يرجحه السبب على شروط، فمتى وجد السبب وتمت الشروط وجب حصول المسبب، مثل قولك: إن طلعت الشمس، ولم يحجبها الغمام أضاءت الآفاق، فطلوع الشمس سبب للإضاءة، وعدم حجب الغمام شرط، فالعبارة الواقعة بعد إن عبارة عن سبب أو شرط، فهي لتعليق الأمور المستقبلية، وأما «لو» فهي لربط أمر بأمر، والحكم باللزوم بينهما في الماضي[30]. 

وأما «لمَّا» نحو قوله تعالى«ولما يدخل الإيمان في قلوبكم»[الحجرات:14]، و«لولا» نحو: لولا زيد لأكرمتك [31] ، أما «أمَّا» نحو: أمَّا اليوم فإني ذاهب،  وقوله تعالى:« أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ»[الكهف:79] [32] 

أحرف التنبيه: يا، وألا، وأما، وَيُسْتَفْتَحُ بِهَذِهِ الكَلَامُ والتنبيه ينبئ عن الاعتناء، و«ها» وتصحب أسماء الإشارة التي ليس معها لام مثل:هذا وهذاك، فلا يقال: هذا لك، وتصحب ضميرا مصحوبا 

 باسم إشارة، مثل: ها أنا ذا، وها أنت ذا، لدقة الإشارة، وصغر لفظها، وغلبة الأشكال في المشار إليه، وتصحب وتعقب كلمة «أي» مثل: يا أيها الإنسان. [33].

أحرف التشريك بين شيئين في حكم، أو حصولٍ: الفاء وثم «للتشريك والترتيب مع الاتصال في الأولى والفورية، ومع الانفصال في الثانية والمهلة، مثل: قرأ زيد فعمرُ، أو ثم عمْرو، أو قرأ زيد فقرأَ عمرو أو ثم عمرُ، وربَّما أفادت الفاء سببية السابق للاحق »، و«الواو وحتى»، للتشريك المطلق بترتيب وبغير ترتيب، باتصال وغيره، مثل:خرج زيد وعمْرو، وزيد قبل أو بعد، أو مقارن. [34].

لكن «حتى» كما صرح المرصفي لا تكون إلا مع ذي أجزاء، أو جزئيات، ويكون ما بعدها غاية لما قبلها في خسة أو شرف مثل: خرج أهل البلد للنزهة حتى الكناسون أو أمراؤها.

حرف الترديد: للشك أو التشكيك أو الإبهام، مثل:« وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضِلَالٍ مُبِين»، [سبأ:24] وتكون للتخيير بين أمرين لا يجوز جمعهما عقلا أو شرعا، مثل: تكلم أو اسكت، وتزوج هندًا أو أختَهَا وللإباحة  عند جواز الجمع مثل: جالس العلماء أو الزهاد.

بل: وهي مثل جاء زيد بل عمرو، وأحسن إلى زيد بل عمرو، ظاهرة في صرف الحكم عن الأول وتخصيصه بالثاني مع جواز اشتراكهما، فإذا قلت: «لا بل» كان صرف الحكم قطعيا، نحو: جاء زيد لا بل عمرٌو.

وفي مثل: ما أساء زيدٌ بل عمرٌو، ولا تهن زيدًا بل عمراً، لِتقرير ما سبق والانتقال بضده لما بعدها وما فيه تقرير السابق يسمى إضرابا انتقاليا، وما فيه رفع السابق يسمى «إضرابا إبطاليا».  

 وتستعمل كلمة «أم» بمعنى «بل» فقط وبمعنى «بل» والهمزة جميعا في بعض الكلام، وحينئذ تسمى أم المنقطعة في مقابلة أم المتصلة. [35]. 

حرف التفصيل «إما» بكسر الهمزة: مثل إما زيد، وإما عمرو، وتقوم مقام الثانية أو مثل: إما زيدٌ أو عمرٌو. [36].

حرف النهي «لا»: في مثل: لا تُحَقِّر نَفْسَك.

حرف الأمر«اللام»: في مثل؛ ليَحْسُن رَأْيُك فَلْيَزِد جدُّك، ولْتطب نفسُك، ثم لِتطلب كلَّ خير، وتُسَكَّنُ بعد الواو والفاء، وتكسر مع غيرهما.

حرف الاستثناء «إلا» مثل: كلُّ الكلام حسن إلا كلامًا أعقب شرًّا. 

أحرف التعليل: من، واللام، والكاف، والفاء، والباء مثل:أكرم زيداً من أنه حكيم، أو لأنه، أو كما أنه، أو فإنه، أو بأنه.

أحرف الاستقبال: أي التي يكون ما بعدها مستقبلا آتيا لا يحتمل الكون في الحال مثل:«السين وسوف وأَنْ»: بفتح الهمزة وسكون النون، وإن بكسر الهمزة، «ولن» مثل: ولسوف يعطيك، وأن تصوموا خير لكم، وإن تجهد تسعد، ولن تغلبك صعوبة صعب إن صَبَرْتَ وسلكت إليه من مسالكه. 

حرف الردع والزجر كلا: مثل قوله تعالى:« أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ»[التكاثر:1-2-3].

الأحرف المصدرية: «أنْ» بفتح الهمزة وسكون النون و«أنَّ» بفتح الهمزة والنون المشددة، و«وَكَيْ، وَمَا، وَلَوْ» مثل: حسن أن تكتب العلم؛ لأن الكتبَ يحفظه من الضياع، ولكي تراجع الكتاب متى شئت، ومما وضعت الكتاب حفظت العلوم، وقد يلحظ مع ما هذه معنى الوقت فتسمى«المصدرية الطرفية»، مثل: أنت حكيم محبوب ما طلبت الخير وجهدت في تحصيه، فهو على معنى: مدة ما طلبت الخير، وعلى تأويل مدة طلبك، وأود لو تتحفظ«يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة» [37] 

حرفَا التفسير«أيْ»: بفتح الهمزة وسكون الياء، و«أنْ» بالفتح فالسكون؛ فأي: تكون بعد ما يحتاج إلى البيان ويلاحقها، مثل: غَضَنْفَر أي أسد، وعَسْجَد أي ذهب. وأن: تقع بعد مبهم مذكور أو محذوف متعلق بفعل في معنى القول دون حروفه، كأمر، وإشارة وما بعد أن جملة مفسرة للمبهم السابق هي معناه، مثل قوله تعالى:« أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ »[طه:39] ومثل قوله تعالى:«فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ»[المؤمنون:27] أي وأوحينا إليه موسى هو: اصنع الفلك. [38] ، وأي وأن موضوعان لتفسير ما قبلهما غير أن «أي» تفسر بها المفردات، نحو رأيت ليثا أي أسدا، والجمل كقول الشاعر:

وترمينَني بالطَّرْف، أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ=وتقلينني، لكنَّ إيَّاكَ لا أَقْلِى

وأما«أن» فتختص بتفسير الجمل وهي تقع بين جملتين، تتضمن الأولى منهما معنى القول دون أحرفه، نحو: كتبت إليه أَنِ احضر[39].

حرفا التوكيد الفعلي نون ساكنة تسمى نون التوكيد الخفيفة، ونون مفتوحة مشددة تسمى «نون التوكيد الثقيلة» لا يلحقان الأفعال الماضية ويلحقان الأفعال الأمرية عند الحاجة إلى التوكيد، ويلحقان المضارع وجوبا إذا كان مستقبلا مثبَتا، جوابَ قسم: مثل قوله تعالى:« وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ»[الأنبياء:57] وقريبا من الوجوب إذا كان شرطا، لأن المزيد معها لفظ «ما» مثل قوله تعالى:« فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنتَقِمُونَ»[الزخرف:41] وكثيرا إذا كان ذا طلب من: استفهام، أو تمن،أو نهي،أو عرض،أو حض مثل: هل تُصْغِيَنَّ، وليتك تَحْفَظَنَّ، ولا تَكْسَلَنَّ، ولا تَدْأَبَنَّ؟ وهلاَّ  تَطْلَبَنَّ، وقليلا والأحسن تركه، والاقتصار على ما سمع من العرب إذا كان منفيا بلم أو زِيد قبله لفظ ما.

كقول الشاعر:وَمِن عضَةٍ ما يَنْبُتنَّ شكيرَها.

وللنطق بالأفعال معهما كيفيات بينها المرصفي.

 تكملة للكلام على قسم الحروف قال: اعلم أن العرب قد يسمون الشيء باسم، ثم يزيدونه حرفا، ويسمون به ماهو أكبر من ذلك الشيء من جنسه، مستشهدا بما قاله العلماء: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وما حكاه الزمخشري عن نفسه قال: اجتزت يوما بساحل البحر، فرأيت رجلا أعرابيا عنده مركبين صغير وكبير، فسألته عن اسم الكبير فأشار إلى الصغير وقال: أليس هذا الشُّقْذُف؟ فقلت له: بلى، فقال: فهذا الشُّقْذَاف.  

وخلص إلى أن بعض أحرف المعاني تستعمل في بعض الكلام زائدة، لا لإفادة معنى، بل لغرض التوكيد والتقوية من باب زيادة المعنى بزيادة المبنى وتلك الحروف هي:«من، والباء، واللام،وإِن بكسر الهمزة ولا، وما، والكاف فتزاد من بعد نفي، أو نهي أو استفهام داخلة على نكرة مثل قوله تعالى:«فما منكم من أحد عنه حاجزين» وما لباغ من مفر، ولن ترى من أحد يعرف الخير ولا يأتي، ولا يجهل الشر وهو يبتغيه، ولا تخيب من أمل وأنت قادر [40].

وتزاد الباء كثيرا بعد نفي ما وليس مثل:«وما هو بقول شاعر»[الحاقة:41] ومثل قوله تعالى:«أليس الله بكاف عبده»[الزمر:36].

بناء على ماسبق يمكن القول: إن المؤلف حاول في عرضه ذكر معاني حروف المعاني  بالتفصيل وشرح معانيها حرفا حرفا، نوعا نوعا، موضعا موضعا بعيدا عن التعقيدات والاستطرادات،ومن أجل ذلك دَعَّمَ المرصفي هذه الدراسة بمجموعة من الشواهد، والأمثلة التي انصبت على تحليل بعض الأبيات الشعرية والآيات القرآنية واستنطاق أبنيتها النحوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] [الوسيلة الأدبية /82].

[2] [رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص:388] ، انظر كتاب [مغني اللبيب 1-428]

[3] [مغني اللبيب1/428]

[4] [الوسيلة الأدبية 1/82]

[5] [رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص:388]

[6] [الوسيلة الأدبية 1/83]

[7] [الوسيلة الأدبية 1/73]

[8] [رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص:430-431]

[9] [رصف المباني في شرح حروف  المعاني، ص:430-431]

[10] [الوسيلة الأدبية 1/83].

[11] [رصف المباني في شرح حروف المعاني، ص:433-434]

[12] [الوسيلة الأدبية 1/83]

[13] [جامع الدروس العربية 534-535].

[14] [جامع الدروس العربية 534-535]. [شرح التصريح على التوضيح 1/565]

[15] [جامع الدروس العربية536]

[16] [الوسيلة الأدبية 1/83].

[17][الوسيلة الأدبية 1/84].

[18]. [الوسيلة الأدبية 1/84]، [مغني اللبيب1/287-288]

[19] [الوسيلة الأدبية 1/84].

[20] [مغني اللبيب 1-447 جامع الدروس العربية:594]

[21] [مغني اللبيب 1-447]

[22] [مغني اللبيب 1-447]

[23] [الوسيلة الأدبية 1/84]

[24] [الوسيلة الأدبية 1/85]

[25] [الوسيلة الأدبية 1/85]

[26] [مغني اللبيب 1/250-251]

[27] [رصف المباني في شرح حروف  المعاني، ص:366]

[28] [مغني اللبيب 1/385]

[29] [الوسيلة الأدبية 1/85]

[30] [الوسيلةالأدبية 1/86]

[31] [مغني اللبيب 1/367]

[32] [مغني اللبيب 1/81-83].

[33] [الوسيلة الأدبية 1/89]

[34] [الوسيلة الأدبية 1/89-90].

[35] [الوسيلة الأدبية 1/91].

[36] [الوسيلة الأدبية 1/91].

[37] [الوسيلة الأدبية1/ 92-93]

[38] [الوسيلة الأدبية 1/93]

[39] [جامع الدروس العربية  622]

[40] [الوسيلة الأدبية 1/93-94 -95-96].

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري - الحلقة الثانية-

قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
- الحلقة الثانية-

أما القسم الثالث فيتعلق في جملته بقسم النداء باعتباره يمثل بوجه من الوجوه مشيراً مقاميا إلى الذات المراد مخاطبتها، وكانت أهداف المؤلفة في هذا القسم تقديم دراسة نظرية للنداء للوقوف على ما توصلت إليه الدراسات السابقة فيما يتعلق باستعمال النداء، وتقديم دراسة نظرية لبعض المسائل التي سيتم دراستها في النداءات القرآنية في الباب الثاني، وقد تكون من فصلين...

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري -الحلقة الأولى-

قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
-الحلقة الأولى-

كان مما دعا منى جابري  إلى تأليف كتابها هذا ما ذكرته في مقدمة الكتاب حيث تقول:«لقد دعت الضرورة  إلى دراسة المشيرات المقامية في القرآن الكريم؛ لأسباب منها ما يتعلق بالنص موضع الدراسة، ومنها ما يتعلق بالمشيرات المقامية نفسها...

قراءة في كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للشيخ حسين المرصفي - الحلقة الثانية-

قراءة في كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للشيخ حسين المرصفي
- الحلقة الثانية-

تحدثنا في الحلقة السابقة عن الجزء الأول من كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية، والذي كان بمنزلةِ مدخل للفنون الأدبية أو تمهيدٍ نظري، اهتم فيه المؤلف بالقواعد وتعريفات العلوم، واهتم بالحديث عن بعض المسائل النظرية التي تتصل بالأدب...