في البلاغة

مجالس في البلاغة (2)
مجالس في البلاغة (2)

 

 

انعقد بمقر مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات والبحوث اللغوية والأدبية مساء يوم الجمعة 12 رجب 1439هـ الموافق ل 30 مارس 2018م المجلس الثاني من مجالس البلاغة، التي يشرف عليها رئيس المركز فضيلة الدكتور محمد الحافظ الروسي، لفائدة باحثي المركز.
وكان الكلام في هذا المجلس تابعا لما تم التطرق إليه في الجلسة الماضية من حديث عن فصاحة الكلام والتي تظهر بخلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد، ومن التعقيد المعنوي الذي مَثَّلَ له الدكتور ببيت العباس بن الأحنف حيث يقول [ديوانه ص:106]:

انعقد بمقر مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات والبحوث اللغوية والأدبية مساء يوم الجمعة 12 رجب 1439هـ الموافق ل 30 مارس 2018م المجلس الثاني من مجالس البلاغة، التي يشرف عليها رئيس المركز فضيلة الدكتور محمد الحافظ الروسي، لفائدة باحثي المركز.

وكان الكلام في هذا المجلس تابعا لما تم التطرق إليه في الجلسة الماضية من حديث عن فصاحة الكلام والتي تظهر بخلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد، ومن التعقيد المعنوي الذي مَثَّلَ له الدكتور ببيت العباس بن الأحنف حيث يقول [ديوانه ص:106]:

سَأَطْلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرَبُوا        وَتَسْكُب عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا

فقد قصد الشاعر الفرح لكنه ساق القياس على خلافه، ومن الكراهة في السمع قول المتنبي [ديوانه 1/182]:

مُبَارَكُ الاِسْمِ أَغَرُّ اللَّقَبْ         كَرِيمُ الْجِرِشَّى شَرِيفُ النَّسَبْ

ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات، قول المتنبي [ديوانه 1/294]:

وَتُسْعِدُنِي فِي غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ     سَبُوحٌ لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ

وقول ابن بابك:

حَمَامَةَ جَرْعَا حَوْمَةِ الْجَنْدَلِ اسْجَعِي        فَأَنْتِ بِمَرْأَى مِنْ سُعَادَ وَمَسْمَعِ

ثم انتقل إلى الحديث عن الفصاحة في المتكلم وذكر أنها ملكة يُقْتَدَرُ بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. ثم عَرَّجَ الدكتور إلى تعريف البلاغة لغة وهي الوصول والانتهاء، أما في الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته.

ووقف على نص الجرجاني في «دلائل الإعجاز، ص:81» الذي يقول فيه: «النظم هو: توخي معاني النحو، وبيان ذلك: اعلم أنْ ليسَ «النظمُ» إِلا أن تضعَ كلامكَ الوضعَ الذي يَقتضيهِ «علمُ النحو»، وتعملَ على قوانينهِ وأُصولِه، وتعرفَ مناهجَه التي نُهِجتْ فلا تزيغَ عنها، وتحفَظُ الرُّسومَ التي رُسمتْ لك، فلا تُخِلَّ بشيءٍ منها»، وذكر الدكتور أنه لا سبيل إلى معرفة النظم إلا بمعرفة النحو، وأن الذي لا يعرف النحو لا يعرف البلاغة إذ إن معرفة النحو تكون قبل.

وبَيَّنَ أيضا أن من البلاغة أن تضع اللفظ في محله وموضعه الذي يقتضيه المعنى ويسمى اللفظ حينئذ متمكنا، وآية ذلك أنك إذا غيرته بلفظ آخر لم يَحْسُن كما حَسُنَ الأول منها، وهنا أشار إلى تمكن ألفاظ القرآن الكريم من مواضعها حتى إنك لا تستطيع أن تغير لفظة بلفظة أخرى عكس كلام البشر الذي تطرأ عليه العوارض. 

وفي بيان «توخي المعاني» عند عبد القاهر مَثَّلَ الدكتور لذلك بقول الشاعر: 

تَمَنَّانَا لِيَلْقَانَا بِقَوْمٍ      تَخَالُ بَيَاضَ لأمِهِم السَّرَابَا

فَقَدْ لَاقَيْتَنَا فَرَأَيْتَ حَرْباً عَوَاناً تَمْنَعُ الشَّيْخَ الشَّرَابَا

ويقول ابن الدمينة:

أَبِينِي أَفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرْتِنِي فِي شِمَالِكِ

أَبِيتُ كَأَنِّي بَيْنَ شِقَّيْنِ مِنْ عَصاً حِذَارَ الرَّدَى أَوْ خِيفَةً مِنْ زِيَالِكِ

تَعَالَلْتِ كَيْ أَشْجَى وَمَا بِكِ عِلَّةٌ تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْتِ بِذَلِكِ

وأشار أيضا إلى أن اللفظ قد يكون فصيحا في سياق معين، ولكنه عندما يوضع في سياق آخر لا يبقى فصيحا وكمثال على ذلك كلمة «شيء» التي استُحْسِنَتْ في بيت أبي حية النميري: 

إِذَا مَا تَقَاضَى الْمَرْءَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ تَقَاضَاهُ شَيْءٌ لَا يَمَلُّ التَّقَاضِيَا

وهي نفسها انْتُقِدَتْ في بيت المتنبي وجاءت ضعيفة مستكرهة، يقول:

لَوِ الْفَلَكُ الدَّوَّارُ أَبْغَضْتَ سَعْيَهُ              لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرَانِ

وذكر أن الكلمة إذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها لما اختلفت بها الحال، ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بفصاحة القرآن ولو كانت عائدة إلى الألفاظ لكان قد تحداهم بالموجود عندهم في الماضي والحاضر، بل إن المزية راجعة إلى التركيب، وهنا أشار الدكتور إلى كتاب «كفاية الألمعي في آية يا أرض ابلعي» للإمام ابن الجَزَري، وبين كيف أن الإعجاز في هذه الآية راجع إلى التركيب وليس إلى اللفظ.

وفي هذا السياق أشار إلى مجموعة من تعريفات البلاغة ومنها تعريف الرماني في رسالته المنشورة ضمن كتاب «ثلاث رسائل في إعجاز القرآن» حيث يقول: «البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ» [ص:75- 76] وتعريف ابن المعتز أيضا.

وبَيَّنَ أن هناك فرقا بين الكلام ومقاماته المتفاوتة (مقام الفصل والوصل، مقام الإيجاز والإطناب ... إلخ) فالخطاب القرآني عندما يخاطب بني إسرائيل يطيل ويفصل وليس كذلك عندما يخاطب العرب، وكذلك الحال في خطاب الذكي والغبي مثلا، وبَيَّنَ أيضا أن  لكل كلمة مع صاحبتها مقاما، وبيان ذلك اختلاف وجوه مخاطبات النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم لاختلاف المقامات ومَثَّلَ الدكتور لذلك بمقامات: منها مقام البشرية ومثل له بقوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) [آل عمران، الآية: 144]، ومنها: مقام النبوة ومثل له بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ  تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التحريم، الآية: 1]، وقد يكون المقامُ مقاما تشريعيا، كَقوله تعالى ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) [الأحزاب، الآية: 37]، فهنا خوطبَ – صلى الله عليه وسلم – بالضمير. 

وأشار في هذا الصدد إلى نص القاضي الجرجاني في «الوساطة، ص:15» والذي يقول فيه: «إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه»، وبين الدكتور أن المقصود بالطبع ما يعبر عنه بالموهبة والملكة، وبالدربة الحفظ وطول الممارسة أي كثرة مزاولة الكلام الفصيح.

وذكر أن كل بليغ فصيح ولا عكس، وبين أيضا أن عبد القاهر كان يرى أن الفصاحة والبلاغة والجزالة والبراعة ألفاظ مترادفة، وأن البيان عند القدماء قد يقصد به المعاني والبيان والبديع، وقد يقصد بالبديع هذه العلوم الثلاثة كما نجدها عند ابن المعتز في كتابه «البديع».

ونختم ببعض الملاحظات القيمة التي تخللت الجلسة، وهي ملاحظات متنوعة بين اللغة وعناوين الكتب التي يحسن بطالب العلم الرجوع إليها، وهي كالآتي:

- كتاب «مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبين» للشاهد البوشيخي وهو كتاب درس فيه عنوان كتاب « البيان والتبين» للجاحظ واستدرك فيه تحقيق عنوان الكتاب، وقد اطلع عليه الدكتور عبد السلام هارون ووافقه على ما ذهب إليه. 

- كتاب «الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية» لعبد الله صولة، وهو من أحسن الكتب في هذا الباب.

- إن صاحب «الطراز» لم يطلع على كتابي عبد القاهر الجرجاني إلا بعض النصوص التي نقلت من الكتابين - مع شغفه بحبهما-، يقول في مقدمة كتابه: «وأول من أسس من هذا العلم قواعده، وأوضح براهينه وأظهر فوائده، ورتب أفانينه، الشيخ العالم النحرير علم المحققين: عبد القاهر الجرجاني؛ فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد، وهدَّ من سور المشكلات بالتسوير المشيد، وفتح أزهاره من أكمامها، وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها، فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء، وله من المصنفات فيه كتابان، أحدهما لقبه «بدلائل الإعجاز» والآخر لقبه «بأسرار البلاغة»، ولم أقف على شيء منهما مع شغفي بحبهما، وشدة إعجابي بهما، إلا ما نقله العلماء في تعليقهم منهما، ولست بناقص لأحد فضلا، ولا عائب له قولا» [الطراز 1/17].



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نماذج من أثر الثقافة الفقهية في نظرية حازم

نماذج من أثر الثقافة الفقهية في نظرية حازم

أثر فقهه في نظره إلى نظرية الفضائل النفسية في البلاغة، نظرا دينيا، وما في ذلك من التأثر الخفي بشيخ شيخه الفقيه الفيلسوف ابن رشد...

(مجالس في البلاغة ( 3

(مجالس في البلاغة  ( 3

انعقد بمركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، المجلس الثالث من مجالس البلاغة وذلك مساء يوم الجمعة 26 رجب 1439هـ، الموافق لـ 13 أبريل 2018م، بإشراف الدكتور محمد الحافظ الروسي رئيس المركز لفائدة الباحثين به...

مجالس في البلاغة (1)

مجالس في البلاغة (1)

في إطار مجالس العلم التي تعقد في مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات والبحوث اللغوية والأدبية، انعقد مجلس درس البلاغة ليوم الأربعاء 07/03/2018 بإشراف الدكتور محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي...