التعريف بمصادر لغوية

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري -الحلقة الأولى-
قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
-الحلقة الأولى-
تمهيد:
كان مما دعا منى جابري  إلى تأليف كتابها هذا ما ذكرته في مقدمة الكتاب حيث تقول:«لقد دعت الضرورة  إلى دراسة المشيرات المقامية في القرآن الكريم؛ لأسباب منها ما يتعلق بالنص موضع الدراسة، ومنها ما يتعلق بالمشيرات المقامية نفسها، ومنها ما يتعلق باستعمال المشيرات المقامية في القرآن الكريم»، وقد كثرت الدراسات حول المشيرات المقامية، وتنوعت الاتجاهات التي تناولتها بين دراسات لغوية«نظرية وتطبيقية»ومنطقية واجتماعية ونفسية؛ وذلك لما تتميز به من استعمال طريف في اللغة وما ترتبط به من قضايا لغوية مختلفة كالتعريف والتنكير والإحالة والارتباط بالحدث التخاطبي إلى غير ذلك من القضايا التي شغلت النحاة والبلاغيين واللسانيين والمناطقة.[1] 
 مضامين الكتاب وأقسامه: 
القسم الأول من الكتاب: 

 

تمهيد:

كان مما دعا منى جابري  إلى تأليف كتابها هذا ما ذكرته في مقدمة الكتاب حيث تقول:«لقد دعت الضرورة  إلى دراسة المشيرات المقامية في القرآن الكريم؛ لأسباب منها ما يتعلق بالنص موضع الدراسة، ومنها ما يتعلق بالمشيرات المقامية نفسها، ومنها ما يتعلق باستعمال المشيرات المقامية في القرآن الكريم»، وقد كثرت الدراسات حول المشيرات المقامية، وتنوعت الاتجاهات التي تناولتها بين دراسات لغوية«نظرية وتطبيقية»ومنطقية واجتماعية ونفسية؛ وذلك لما تتميز به من استعمال طريف في اللغة وما ترتبط به من قضايا لغوية مختلفة كالتعريف والتنكير والإحالة والارتباط بالحدث التخاطبي إلى غير ذلك من القضايا التي شغلت النحاة والبلاغيين واللسانيين والمناطقة.[1]

 مضامين الكتاب وأقسامه:

 القسم الأول من الكتاب: 

يدور الكتاب حول موضوع أساسي هو«المشيرات المقامية في القرآن الكريم»، حيث تسعى هذه الدراسة إلى جمع المشيرات المقامية في القرآن الكريم من الناحية التداولية في دراسة متكاملة، وقد عالجت المؤلفة هذا الموضوع في خمسة أقسام مختلفة، لكنها مترابطة، بحيث يشكل كل منها عنصرا فاعلا في بنية المؤلَّف، سيهتم القسم الأول بتحديد مصطلح «مشيرات مقامية»، وتحديد العناصر المنتمية إلى المشيرات المقامية، والتعرض لبعض الإشكالات التي تكتنف التحديد، أما الأقسام الأخرى«الثاني والثالث والرابع والخامس» فسيتم تخصيص كل قسم منها لدراسة مشير من المشيرات المقامية التي سيتم تحديدها في القسم الأول، حيث سيتولى القسم الثاني دراسة ضمائر التكلم وضمائر الخطاب، والقسم الثالث سيهتم بالنداء، أما القسم الرابع  فسيعنى بأسماء الإشارة، في حين سيختص القسم الخامس بالمشيرات الزمنية، وسيتم تقسيم كل قسم منها إلى بابين: سيعنى الباب الأول بالدراسة النظرية التي ستدور حول طرح بعض القضايا المتعلقة بقضية الإحالة في استعمال المشيرات المقامية والجوانب التداولية في استعمالها، بينما سيتولى الباب الثاني الجانب التطبيقي المتعلق باستعمال القرآن الكريم للمشيرات المقامية، وقد اقتضت الدراسة أن يكون في كل قسم جانبان أحدهما نظري والآخر تطبيقي.

دلالة مصطلح المشيرات المقامية في الكتاب:

تناولت المؤلفة القسم الأول من الكتاب  في مبحثين، تتبعت في المبحث الأول  مصطلح مشيرات مقامية عن طريق رصد استعمال مصطلحي«إشارة»و«مقام» في الدراسات العربية القديمة كلا على حدة، وتتبعتهما منفصلين لدى القدماء، حيث جعلت الطرف الأول للحديث عن مصطلح «الإشارة» في دراسات القدماء باعتباره مصطلحا استعمل لدراسة ظواهر لغوية متعددة، ولا يقتصر فقط  على الدلالة على الأمور المحسوسة، وإنما يتجاوزها للدلالة على المعاني؛ حيث حصرت المؤلفة  استعمال القدماء  لفظ الإشارة في عدة استعمالات؛ بمعنى الإيماء بجارحة حيث اعتبروها من وسائل الدلالة على المعاني، والطرائق التي يلجأ إليها المتكلم للتعبير عما يريد، واستعمال هذا اللفظ مرادفا للإيماء لا يخرج عن كون الإيماء إحالة المخاطَب على شيء موجود في حضرته، دون التصريح بذكر مسمى ذلك الشيء، ورأت أن استعمال الإشارة بمعنى الإيماء إلى شيء ما مرتبط بمعناها اللغوي، كما استعمل مصطلحا لإيجاز القصر الذي هو التعبير عن المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة؛ أي الاختصار والتلميح إلى معان مستدعاة، غير مذكورة بلفظها الصريح، [2] وفي هذا السياق وضحت منى جابري وجه الشبه بين الإشارة بمعناها اللغوي وبين معناها الاصطلاحي مستشهدة بما جاء في نص ابن أبي الإصبع حيث قال:«إشارة المتكلم إلى معان كثيرة، بلفظ يشبه لقلته واختصاره بإشارة اليد؛ فإن المشير بيده يشير دفعة إلى أشياء، لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة جدا»[3]، كما استعمل لفظ الإشارة بمعنى دلالة الاسم على مسماه أو دلالة اللفظ على معنى من المعاني، وفي هذا الصدد وقفت  المؤلفة على  نصوص لكبار العلماء مثل سيبويه وأبي هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني.

 كما استعمل مصطلح الإشارة أيضا  للكناية والتورية لكونه يرتبط بالإشارة إلى الشيء دون التصريح باللفظ الموضوع له، ومثلما ارتبط لفظ الإشارة بدراسة ظواهر لغوية، ارتبط كذلك بمجموعة من أسماء الإشارة، ومن هذه الأسماء: هذا وهذه وهذان وهاتان وهؤلاء، أما لفظ «مقام» فقد أشارت منى جابري أن النحاة المتقدمون لم يستعملوه بالمعنى المقصود لدى التداوليين؛ وهو الحيثيات الحافة بعملية التخاطب من مكان وزمان وأشخاص، مرتبطة أساسا بلحظة التخاطب ولكنه وجد مع النحاة المتأخرين باستعمالات أخرى تدل على المقام أو على الحيثيات الحافة به، ومن ذلك استعمالهم هذه العبارات للدلالة على زمن الحدث التخاطبي، ومنها: حال خبرك، وزمان الإخبار، الحال، وحال التكلم، وزمانك، وحضرتك وكذلك استعمالهم عبارات من مثل:الحال الحاضرة في مقابل الحال المحكية أو الحال الماضية[4]، كما أشارت إلى أن البلاغيين قد استعملوا لفظ مقام بشكل لافت للنظر وحصروه في معنيين: بمعنى الحال وبمعنى الموضع مستشهدة بما جاء عند السكاكي وهذا نصه:«لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة؛ فمقام التشكك يباين مقام الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار،.. وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي.. ثم إذا شرعت في الكلام، فلكل كلمة مع صاحبتها مقام، ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام»، فقد بينت منى جابري أن السكاكي استعمل لفظ مقام في هذا النص بمعنيين: بمعنى الموضع وذلك في قوله:«فلكل كلمة مع صاحبتها مقام» فالمقام هنا بمعنى الموضع؛ أي لكل كلمة موضع يناسبها في السياق التي ترد فيه،وفي قوله:«لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة» فالمقام هنا بمعنى الحال المعبر عنها.[5] 

كما أشارت منى جابري  إلى وجود تدرج في المصطلحات المستعملة للمشيرات المقامية في الدراسات الغربية من«chifters» أي المتحولات على يد «يسبرسن» والذي ينطبق على كل الكلمات التي يتغير مرجعها بتغير المقام التخاطبي الذي ترد فيه، وهو بذلك مصطلح فضفاض قد تكون عناصر المشيرات المقامية داخلة ضمنه، لكنه ليس مقتصرا عليها إذ ليس لها معنى محدد، وإنما معناها يتحول بتحول الخطاب من شخص إلى آخر، ولها مرجع جديد مع كل إجراء للخطاب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى استعمل مصطلح «chifters» عند ياكوبسن في حديثه عن أنماط الإحالات التي حصرها في أربعة أنماط: إحالة الرسالة إلى رسالة أخرى، إحالة الشفرة إلى شفرة أخرى، إحالة الرسالة إلى شفرة، إحالة الشفرة إلى الرسالة، وبينت منى جابري أن ياكوبسن اعتبر «chifters» هي الممثلة للنمط الرابع من الإحالات وحدها بأنها وحدات رمزية ذات معنى عام تتضمن إحالة إلى الرسالة ومثل لها بالضمائر«personal pronouns» وزمن الفعل«tenses» وكانت هذه إضافة هامة من ياكبسون بالنسبة للمؤلفة بضمه الضمائر وزمن الفعل ضمن قائمة واحدة واعتبرتها البداية الأولى لتحديد عناصر المشيرات المقامية وأكدت في الوقت نفسه على أنه لا يمكن الجزم بأن مصطلح «chifters» لديه يوازي مصطلح مشير مقامي،[6] كما أشارت  المؤلفة إلى استعمال الدارسون العرب  «deixis»، و«diectic» أو المؤشرات عند «john lyons» و«ستيفن ليفنسون»، حيث تدور ترجمات المصطلح في الدراسات اللسانية العربية حول الإشارة والتعيين، وبينت المؤلفة نقطة مهمة في هذا الصدد  بخصوص مصطلح مشير مقامي باعتباره هو الأنسب في هذا المقام لأنه يعكس أمرين هامين في المشيرات المقامية، موضحة ما أكدته نرجس باديس بخصوص هذا المصطلح  الذي كان من وضع محمد صلاح الدين الشريف، وأن هذه الترجمة تعبر عن مفهوم الإشارة والتغير الذي دل عليه«chifters» وكذلك الوصل والارتباط بالمقام التخاطبي .[7] 

أما مايتعلق بالمبحث الثاني الذي هدف إلى تحديد العناصر المنتمية إلى المشيرات المقامية،تتبعت المؤلفة العناصر الإشارية في الدراسات الغربية عند  «بنفنيست» و«ليونز» و«ليفنسون» و «هاليداي ورقية حسن» و «acher»  والدراسات العربية عند«الأزهر الزناد»و «عز الدين المجدوب»و«عادل الفاخوري»و«رضوان ظاظا»و«الشهري»و«نرجس باديس»وتوصلت بهذه المقارنة إلى نتيجة مفادها وجود اختلاف واضح في تحديد عناصر المشيرات المقامية في الدراسات اللسانية العربية والغربية على السواء، ولكن يوجد إجماع على أن ضمائر المتكلم وضمائر المخاطب، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان، وظروف المكان، عناصر إشارة باستثناء ما هو لدى نرجس باديس، التي أخرجت أسماء الإشارة وظروف المكان من قائمة المشيرات المقامية لأنها رفضت أن يكون المقام التخاطبي مساويا للمقام المادي المحسوس، والذي جعل منى جابري تقبل المعايير المعتمدة من قبل الباحثين في اعتبار اللفظ مشيرا مقاميا أو إخراجه من قائمة المشيرات، ومن أهم هذه المعايير:الانعكاس في المقام التخاطبي، والانتظام حول المركز الإشاري، والاتصال المباشر بمقام الخطاب، ويتحدد مرجعها بإجراء الفعل للخطاب، وارتباطها بالمقام آني لا يتجاوز ملابسات التلفظ، ولا يعتمد المخاطَب لإدراك مرجعها على مخزونه الذهني، وخلصت إلى خلاصة مفادها أن المشيرات المقامية من وجهة نظر هذه الدراسة هي ضمائر المتكلم وضمائر المخاطب، وأسماء الإشارة والمنادى، وظروف الزمان وظروف المكان،وصيغ الفعل الدالة على الزمان أو اتجاه متصل بمكان التخاطب وبذلك تتحدد محاور الدراسة بهذه العناصر.

كما توجد إشكاليات استعمالية جعلت البعض يدرجون بعض العناصر ضمن المشيرات المقامية، وتعود هذه الإشكالات بالدرجة الأولى حسب منى جابري إلى الاستعمال العدولي للمشيرات المقامية على نحو قد يبدو عائديا، أو الاستعمال العدولي لغيرها استعمالا قد يبدو مشابها للاستعمال الإشاري.       

استنتاج:

فيما يتعلق بمصطلح «مشير مقامي» تبين أن القدماء لم يستعملوا هذا المصطلح ولكنهم استعملوا مصطلح«الإشارة» في دراسة ظواهر لغوية، وأسماء معينة عرفت بأسماء الإشارة واستعمالهم لها دار حول الإيماء والإحالة إلى شيء غير مصرح بذكره باللفظ الموضوع له، وبينت منى جابري في هذا الصدد أن  الجامع لاستعمالات القدماء للفظ «الإشارة» أو «إشارة»هو: 

- الإحالة على شيء غير ظاهر من لفظه أو الإحالة على شيء دون التصريح بذكره.

- الإيجاز في استعمال الألفاظ.

- الارتباط الوثيق بين اللفظ والمرجع.

أما بخصوص المقام فقد تبين أن القدماء كانوا على إدراك تام بالمقام التخاطبي، ولم يستعملوا لفظ«مقام» بمعناه المتداول في الدراسات الحديثة خلاف البلاغيين الذين استعملوا لفظ مقام بشكل لافت للنظر، حيث ورد عندهم بمعنيين: معنى الحال، وبمعنى الموضع، ولم يقتصر معنى المقام على الحال والهيئة المحسوسة، وإنما تجاوزها إلى الأمور المعنوية والنفسية، سواء أكانت متعلقة بالمتكلم وعلاقته بما يقول، أو بالمخاطب كخطاب الذكي والغبي، وهذا يدل على أن المقام لدى البلاغيين أكثر اتساعا منه لدى النحاة.

القسم الثاني من الكتاب:

تنتقل منى جابري بعد ذلك إلى القسم الثاني من الكتاب المعنون بــــ «ضمائر التكلم وضمائر الخطاب» وتكون هذا القسم من بابين، سيعنى الباب الأول منهما بالجانب النظري وتقديم تصور للضمير من وجهة نظر الدراسات السابقة، وهو مكون من فصلين؛ هدف الفصل الأول إلى البحث  في تقسيم الضمائر إلى أقسام من ناحية الحضور والغيبة ومن ناحية العدد ومن جهة القسم الذي تنتمي إليه الضمائر، وتكون من ثلاثة مباحث اهتم المبحث الأول بالنظر في ملاءمة المصطلحات المستعملة في تصنيف الضمائر وتقسيمه إلى أقسام،والدور التي تؤديه في العملية التخاطبية و مقارنة المصطلحات التي استعملها العرب بالمصطلحات التي استعملها بنفنيست الذي لجأ  إلى المصطلحات المستعملة في الأنحاء الغربية واقترح بديلا لها، أما بنفنيست، فبرغم إقراره بنجاعة المصطلحات العربية، إلا أنه لم يستطع من وجهة نظر المؤلفة الانفكاك من قيود «الشخصية» السائدة في الأنحاء الغربية؛ فقد اعتمدها في مقابلته بين الضمائر؛ فسمى ضمائر الحضور بالضمائر الشخصية، في حين سمى ضمير الغيبة باللَّاشخص معللة هذا بقولها:ولو انتبه قليلا للتسميات العربية، لوجدها أفضل؛ من جهة أنها تعتمد على الوظيفة التخاطبية، أو الدور التخاطبي الذي يؤديه مرجع الضمير في الخطاب، فالغائب ليس لا شخصا وإنما هو الغائب من العملية التخاطبية، أو الذي ليس له دور فيها فدوره غائب منها... [8] ،أما المبحث الثاني فقد نظر في تصنيف الضمائر من جهة دلالتها العددية، وعلاقة هذه الدلالة بالمعاني التداولية التي يستعمل الضمير من أجلها، وكذلك بالعلاقة التي تربط المتكلم بالمخاطب، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه  إن دلَّ أنا وأنت على مفرد، فإن نحن وأنتم يدلَّانِ على أمور أكثر اتساعا، ليس من جهة دلالتها العددية فحسب، وإنما من جهة استغلال دلالتها العددية في الدلالة على أمور تتعلق بنظرة المتكلم إلى نفسه أو إلى المخاطب[9] ، في حين اعتنى المبحث الثالث بتصنيف الضمير ضمن أقسام الكلم لدى كل من القدماء والمحدثين، وقد انقسم المحدثون إزاء هذه القضية إلى فريقين: فريق اتبع سنة الأنحاء الغربية في تقسيم الكلم، فرأى أن الضمائر قسم مستقل قائم برأسه، يضم كلا من: الضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة مستشهدة بما وضحه تمام حسان  بخصوص القدماء في تقسيمهم للكلم، فمنهم من راعى جانب المبنى، ومنهم من راعى جانب المعنى، وهو يدعو إلى ضرورة الجمع بين الجانبين[10] ،أما الفريق الثاني بينت منى جابري أنه سار على نهج القدماء في هذه الأقسام؛ فلم يخرج الضمير عن الاسم، وحاول إثبات كون أسماء الإشارة، والاسم الموصول، والضمير، وحدات مستقلة لكل منها ما يميزه، وهي جميعا يضمها مصطلح واحد هو الاسم، مشيرة إلى نصوص عدة في هذا المقام كما وردت عند محمد حماسة عبد اللطيف،وإبراهيم أنيس.  

 بينما يسعى الفصل الثاني إلى تقديم صورة للالتفات الضميري وتتبعه في الدراسات السابقة من جهة طبيعته، وطرق إجرائه، والشروط التي ينبغي توافرها في السياق الذي يرد فيه، وأنماط الالتفات الضميري ونظرة القدماء إلى فوائده في الخطاب الذي يرد فيه، والصور التي يأتي عليها، وكذلك الأغراض التي يحققها المتكلم من استعمالها في خطابه.

بينت منى جابري أن الالتفات هو تنويع وانتقال من صيغة إلى أخرى، وقد اعتمدت المؤلفة بعض الشروط التي تعين في تحديد هذه الظاهرة وحصرها،ومن هذه الشروط:[11] 

- لا يقع الالتفات في صدر الخطاب؛ إذ لابد من وجود ما يلتفت عنه أو ينتقل إليه، وهذا لا يتحقق ابتداء دون وجود نمط سابق.

- لابد من وحدة المرجع الذي تعود عليه الصيغتان الملتفت عنها والملتفت بها، وإلى جانب هذه الوحدة لا بد من وحدة الذات المتكلمة بالصيغتين؛ إذ الالتفات إنما هو انتقال يحدثه المتكلم في خطابه لأغراض يرتئيها، والخطاب كما بينت منى جابري إنما هو أداة  تملك يتصرف فيه المتكلم كيفما يشاء فإذا ما انتقل الخطاب من متكلم إلى آخر انتقلت معه الملكية.

كما أشارت منى جابري في معرض حديثها بخصوص الالتفات الضميري أنه قد يأتي في صورة انتقال ضمن مقولتي الحضور والغيبة على النحو الآتي: الانتقال من التكلم إلى الخطاب، والانتقال من التكلم إلى الغيبة، والانتقال من الغيبة إلى الخطاب، والانتقال من الغيبة إلى التكلم، والانتقال من الخطاب إلى الغيبة، والانتقال من الخطاب إلى التكلم. ونتيجة للشروط التي تم اعتمادها لإجراء الالتفات فقد عملت منى جابري  على إخراج كل انتقال من ضمير دال على المفرد إلى ضمير المعظم نفسه أو العكس لدلالتهما على المفرد؛وكذلك الانتقال من ضمير دال على المفرد إلى آخر دال على التثنية أو التعظيم أو العكس لعدم ثبات المرجع، أما الانتقال ضمن مقولة الجنس فقد تم إخراج كل صيغة تستعمل للمذكر والمؤنث على السواء، وكذلك ما يتعلق بظاهرة التغليب، وقد تبين أن التفات الضمائر ظاهرة تخاطبية تقوم على التنويع في الخطاب، وتقع ضمن مقولة الحضور والغيبة، أو العدد أو الجنس.

كما نظرت منى جابري إلى الأهداف التي يتوخاها المتكلم من الالتفات فتبين بخصوص ما تناولته أن هذه الظاهرة لا تأتي عبثا وإنما وراءها أغراض ومقاصد تداولية تتجلى فيها علاقة المتكلم بما يقول وعلاقته بالمخاطب، مشيرة  إلى أمرين في الجانب التداولي للالتفات لابد منهما: البحث في دوافع المتكلم في التعبير بالصورتين، وفائدة الانتقال والتحول من إحداهما إلى أخرى.   

  بعد أن تحدثت المؤلفة في الباب الأول عن ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة، تم الانتقال إلى الباب الثاني المعنون بالضمير في الاستعمال القرآني والذي تكوَّن من تمهيد؛ بينت فيه منى جابري أهم ما توصلت إليه الدراسات السابقة فيما يتعلق باستعمال ضمائر الحضور في القرآن الكريم، ممثلة لذلك بالمدرسة البنيوية والتي تحدثت فيها عن دراستين؛ «البيان في روائع القرآن» لتمام حسان؛ حيث تحدث المؤلف  في هذا الكتاب عن الضمائر ضمن مبحث «دلالة الكنائيات في النص القرآني»،كما أشارت لدراسة بنيوية تعرضت لاستعمال القرآن للضمائر وهي «علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق» لصبحي إبراهيم  الفقي، عقد فيها فصلا خاصا بالضمائر  ركز اهتمامه على أمور نصية منها: مرجعية الضمير، ودوره في التماسك النصي، وتوزيع الضمائر في ثنايا السور المكية، كما تطرقت للمدرسة التداولية وأهم ما يميزها، مشيرة إلى دراستين في هذا المقام فيما كتبه المجدوب على التوالي:«الصيغ الدالة على الله في القرآن في باب المتكلم والمخاطب والغائب»و«مساهمة في دراسة المشيرات المقامية في القرآن» اعتمد فيهما الناحية التداولية لاستعمال القرآن للضمير، في حين ركز الفصل الأول  على ضمائر التكلم العائدة على الله نموذجا لضمائر التكلم في القرآن؛ وأشارت لسبب اختيارها من بين غيرها من الضمائر؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو منشئ القول في القرآن،وموجه الخطاب فيه؛ فضمائر التكلم العائدة عليه هي الأولى بالدراسة من غيرها من الضمائر، فقد ركزت منى جابري على الدلالة العددية للضمير من زاويتين: علاقة المتكلم بما يقول، وعلاقته بالمخاطب، وقد اعتمدت الدراسة على انتقاء شواهد تم فيها مراعاة أن تكون الذات التي تمت الإشارة إليها في المواضع المختارة هي ذات واحدة تتم الإشارة إليها تارة بضمير دال على الإفراد وتارة أخرى بضمير دال على التعظيم، واعتنى الفصل الثاني بمحوري الحضور والغيبة في الالتفات بالضمير في القرآن الكريم، تحدثت فيه المؤلفة عن وحدة الذات المشيرة والذات المشار إليها وظهور الذات الواحدة حاضرة وغائبة في السياق الواحد وأشارت إلى أن الالتفات بالانتقال بين مقولة الحضور والغيبة ليس غاية في ذاته وإنما هو وسيلة لتحقيق غاية مقصودة تتجلى فيها بوضوح علاقة المتكلم بما يقول وعلاقته بالمخاطب، أما الالتفات ضمن المحورين الجنسي والعددي أشارت منى جابري أنه لا يخرج عما قيل فيما يتعلق بالالتفات ضمن محور الحضور والغيبة، فهو يحدث لمناسبة الصيغة المعبر عنها لطبيعة العلاقة بين المتكلم والمخاطب بالصيغة.

استنتاج:

بينت منى جابري في المدخل النظري من هذه الدراسة أن ضمائر الغيبة والاسم العلم لا تكون مشيرات مقامية وإن استخدمها المتكلم للإحالة إلى نفسه أو إلى مخاطبه، وبينت  في هذا المقام أنها لا تتبادل مع ضمائر الحضور وظائفها؛ فلا تؤدي دورها في الخطاب، ودورها الغائب هو الذي يرشحها لأن يؤثرها المتكلم في بعض خطاباته تبعا لعلاقته بما يقول أو لعلاقته بالمخاطب، حيث استطاعت منى جابري أن توضح لنا أنه بالرغم من أن الضمائر قد تبدو وسيلة عفوية من وسائل اللغة، يستخدمها المتكلم ليعين نفسه متكلمة، ويعين الآخر مخاطبا ويعين ثالثا متحدثا عنه، إلا أن ارتباطها الوثيق بالمقام التخاطبي، وما تحمله من دلالات الحضور والغيبة والإفراد، والجمع من معان جعلها وسيلة ناجحة للكشف عن علاقة المتكلم بما يقول وعلاقته بالمخاطَب، كما قدمت لنا تصورا واضحا حول الضمائر لكونها تتيح للمتكلم حرية أن يقدم نفسه على أنها ذات منفردة، أو على أنها ذات عظيمة مرتفعة عن الآخر، أو على أنها ذات غائبة خفية تارة أخرى، أو حاضرة تواجه الآخر،وتساهم في تغييب المخاطب أو إحضاره ومخاطبته.

ـــــــــــــــــــــــــ

 الهوامش:

[1] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:17].

[2] [- المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 27]

[3] [ تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر1/200- المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 27]

[4] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 30-32]

[5] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:32- مفتاح العلوم ص:256]

[6] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:36]

[7] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:39]

[8] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 109]

[9] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 112]

[10] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص: 115]

 [11] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:138]



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري - الحلقة الثانية-

قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
- الحلقة الثانية-

أما القسم الثالث فيتعلق في جملته بقسم النداء باعتباره يمثل بوجه من الوجوه مشيراً مقاميا إلى الذات المراد مخاطبتها، وكانت أهداف المؤلفة في هذا القسم تقديم دراسة نظرية للنداء للوقوف على ما توصلت إليه الدراسات السابقة فيما يتعلق باستعمال النداء، وتقديم دراسة نظرية لبعض المسائل التي سيتم دراستها في النداءات القرآنية في الباب الثاني، وقد تكون من فصلين...

معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي (الحلقة الثالثة)

معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي
(الحلقة الثالثة)

قدمنا في الحلقتين السابقتين تعريفا بأهم مضامين كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية لمؤلفه حسين أحمد المرصفي، فكان المجلد الأول بمنزلة تمهيد للفنون الأدبية التي تناولها بعد ذلك بالشرح والتفصيل في المجلد الثاني من نحو وصرف وبلاغة وبيان وبديع...

قراءة في كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للشيخ حسين المرصفي - الحلقة الثانية-

قراءة في كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للشيخ حسين المرصفي
- الحلقة الثانية-

تحدثنا في الحلقة السابقة عن الجزء الأول من كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية، والذي كان بمنزلةِ مدخل للفنون الأدبية أو تمهيدٍ نظري، اهتم فيه المؤلف بالقواعد وتعريفات العلوم، واهتم بالحديث عن بعض المسائل النظرية التي تتصل بالأدب...