في اللغة

"لي لُغَتي ولكم لُغَتُكم"
"لي لُغَتي ولكم لُغَتُكم"
قال جبران خليل جبران: « لكم من اللّغةِ العربيّة ما شئتُم، ولي منها ما يُوافقُ أفكاري وعَواطفي. لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه، ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثثٌ محنَّطةٌ باردةٌ، تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها. لكم منها محجّةٌ مُقرَّرةٌ مقصودةٌ، ولي منها واسطةٌ متقبّلةٌ لا أستكفي بها إلاّ إذا أوصلَتْ ما يختبئُ في قلبي إلى القُلوبِ، وما يَجولُ بضميري إلى الضّمائر… لكُم لُغتُكم عَجوزاً مُقعدَةً ولي لغتي صبيّةً غارقةً في بحرِ أحلامِ شبابِها، وماذا عسى أن تصيرَ إليه لُغتُكم عندَما يُرفعُ السّتارُ عن عَجوزكُم وصبيّتي؟»  (1)
قالَ الأستاذ فَضل حسَن عبّاس معلّقاً على جبران: « لقد وهم جبرانُ، فها هي العربيّةُ لغة الرّقّة، ولكنّها مع ذلِك لغة الدّقّة، وستظلُّ خَضِرَةً نَضرةً، جَديرةً بأن تحتلَّ مكانَتها اللاّئقةَ بها في هذا العالَم، إن ارتَفَع بِها قومُها» (2)
عندَما قالَ جبران: « لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه، ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثثٌ محنَّطةٌ باردةٌ، تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها…» لم ينتبه إلى أنّ ابنَ جنّيّ في "الخَصائصِ" قَد نَفى عن العرب والعربيّة تلك التُّهَمَ التي رُمِيَت بها العربيةُ ورَماها بها أيضاً جبران، وفعلَ مثلَه مَن قبلَه، ولكنّ سوءَ ظنّ جبْران حَمَلَه على الاتّهامِ الباطِلِ والإتْيانِ في مقالَتِه بالكذبِ، استَمِعْ إلى ابن جنّي وهو يردّ على أسلاف جبْران في القُرون الأولى، الذينَ اتَّهَموا العربَ بالعناية بالألفاظ وإغفالها المعاني: “بابٌ في الرّدِّ على مَن ادَّعى عَلى العَربِ عِنايتَها بالألفاظِ وإغفالَها المَعانِيَ” : «اِعلمْ أنّ هذا البابَ مِن أشرفِ فُصول العَربيّة، وأكرمِها، وأعلاها، وأنزَهِها. وإذا تأمَّلتَه عرَفتَ منه وبه ما يُؤنِقُكَ، ويَذهبُ في الاستحسانِ له كلَّ مَذهبٍ بكَ. وذلكَ أنّ العربَ كما تُعْنى بألفاظِها فتُصلحُها وتُهذّبُها وتُراعيها، وتلاحظُ أحكامَها، بالشعْرِ تارةً، وبالخُطبِ أخرى، وبالأسْجاعِ التي تلتزمُها وتتَكلفُ استمرارَها، فإنّ المعَانيَ أقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأفخمُ قدراً في نُفوسها.
فأوّلُ ذلكَ عنايتُها بألفاظها. فإنّها لَمّا كانت عُنوانَ مَعانيها، وطَريقاً إلى إظهارِ أغراضِها، ومَراميها، أصْلحوها ورَتّبوها، وبالغوا في تَحبيرها وتَحسينها، ليكونَ ذلكَ أوقعَ لها في السّمعِ، وأذهبَ بها في الدلالة على القصدِ، ألا تَرى أنّ المَثَلَ إذا كانَ مَسجوعاً لذَّ لسامعِه فحَفِظَه، فإذا هو حَفظَه كانَ جديراً باستعمالِه، ولو لم يَكنْ مَسجوعاً لم تَأنسِ النّفسُ به، ولا أنقَتْ لمُسْتَمَعِه، وإذا كان كَذلكَ لم تَحفظْه، وإذا لم تحفظْه لم تُطالبْ أنفُسَها باستعمالِ ما وُضِعَ له، وجيءَ به من أجلِه ... »

 

قال جبران خليل جبران: « لكم من اللّغةِ العربيّة ما شئتُم، ولي منها ما يُوافقُ أفكاري وعَواطفي. لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه، ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثثٌ محنَّطةٌ باردةٌ، تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها. لكم منها محجّةٌ مُقرَّرةٌ مقصودةٌ، ولي منها واسطةٌ متقبّلةٌ لا أستكفي بها إلاّ إذا أوصلَتْ ما يختبئُ في قلبي إلى القُلوبِ، وما يَجولُ بضميري إلى الضّمائر… لكُم لُغتُكم عَجوزاً مُقعدَةً ولي لغتي صبيّةً غارقةً في بحرِ أحلامِ شبابِها، وماذا عسى أن تصيرَ إليه لُغتُكم عندَما يُرفعُ السّتارُ عن عَجوزكُم وصبيّتي؟»  (1)قالَ الأستاذ فَضل حسَن عبّاس معلّقاً على جبران: « لقد وهم جبرانُ، فها هي العربيّةُ لغة الرّقّة، ولكنّها مع ذلِك لغة الدّقّة، وستظلُّ خَضِرَةً نَضرةً، جَديرةً بأن تحتلَّ مكانَتها اللاّئقةَ بها في هذا العالَم، إن ارتَفَع بِها قومُها» (2)

عندَما قالَ جبران: « لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه، ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثثٌ محنَّطةٌ باردةٌ، تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها…» لم ينتبه إلى أنّ ابنَ جنّيّ في "الخَصائصِ" قَد نَفى عن العرب والعربيّة تلك التُّهَمَ التي رُمِيَت بها العربيةُ ورَماها بها أيضاً جبران، وفعلَ مثلَه مَن قبلَه، ولكنّ سوءَ ظنّ جبْران حَمَلَه على الاتّهامِ الباطِلِ والإتْيانِ في مقالَتِه بالكذبِ، استَمِعْ إلى ابن جنّي وهو يردّ على أسلاف جبْران في القُرون الأولى، الذينَ اتَّهَموا العربَ بالعناية بالألفاظ وإغفالها المعاني: “بابٌ في الرّدِّ على مَن ادَّعى عَلى العَربِ عِنايتَها بالألفاظِ وإغفالَها المَعانِيَ” : «اِعلمْ أنّ هذا البابَ مِن أشرفِ فُصول العَربيّة، وأكرمِها، وأعلاها، وأنزَهِها. وإذا تأمَّلتَه عرَفتَ منه وبه ما يُؤنِقُكَ، ويَذهبُ في الاستحسانِ له كلَّ مَذهبٍ بكَ. وذلكَ أنّ العربَ كما تُعْنى بألفاظِها فتُصلحُها وتُهذّبُها وتُراعيها، وتلاحظُ أحكامَها، بالشعْرِ تارةً، وبالخُطبِ أخرى، وبالأسْجاعِ التي تلتزمُها وتتَكلفُ استمرارَها، فإنّ المعَانيَ أقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأفخمُ قدراً في نُفوسها.فأوّلُ ذلكَ عنايتُها بألفاظها. فإنّها لَمّا كانت عُنوانَ مَعانيها، وطَريقاً إلى إظهارِ أغراضِها، ومَراميها، أصْلحوها ورَتّبوها، وبالغوا في تَحبيرها وتَحسينها، ليكونَ ذلكَ أوقعَ لها في السّمعِ، وأذهبَ بها في الدلالة على القصدِ، ألا تَرى أنّ المَثَلَ إذا كانَ مَسجوعاً لذَّ لسامعِه فحَفِظَه، فإذا هو حَفظَه كانَ جديراً باستعمالِه، ولو لم يَكنْ مَسجوعاً لم تَأنسِ النّفسُ به، ولا أنقَتْ لمُسْتَمَعِه، وإذا كان كَذلكَ لم تَحفظْه، وإذا لم تحفظْه لم تُطالبْ أنفُسَها باستعمالِ ما وُضِعَ له، وجيءَ به من أجلِه ... »

هذه “القُيود” اللغوية التي تكلم عنها جبران، أساءت العامياتُ إلى الفُصحى إذ عبثت بها، فبات من المستحيلِ وضعُ قواعدَ محكَمَةٍ لصرفِها ونحوِها ولكتابتِها؛ فهي في الكثيرِ من تعابيرِها تكادُ تكونُ لغةَ اختزالٍ، والعامّيّة العربيّةُ “لُغاتٌ” عدّةٌ لا “لغة” واحدة. هذا وقد وُجدَ من الكُتّابِ من دافعَ عن العامّيّةِ والْتَمَسَ لها الأعذارَ وحمّلَ الفُصْحى تبِعاتِ العامّيّاتِ وأوزارَها، ومنهُم ميخائيل نعيمة: «غيرَ أنّ تفلُّت العامّيّةِ من القيودِ لا يجبُ أن يُعمِيَنا عمّا في قُيودِ الفصحى من الإرهاقِ، فهناك قواعدُ كثيرةٌ قد يكون أنّها كانت ضروريّةً فيما مضى، أمّا اليومَ فقد أصبحت أَحاجِيَ في استطاعتِنا نبذُها من غيرِ أن نخسرَ اللّغةَ أو نخسرَ شيئًا بل على العكسِ، فللُّغة ولنا في نبذِها أو تعديلِها خيرٌ عميمٌ، واذكرْ على سبيلِ المثالِ أحرفَ النّصبِ والجزمِ، والنِّداءِ والتّمنّي، والإعلالِ والإدغامِ، وكان وأخواتها، وإنّ وأخواتها، والهمزةَ وعينَ المضارِع، والأعدادَ المركَّبةَ، والممنوعَ من الصّرفِ… ولا أزيدُ، فالمجال يتّسعُ للتّمادي في البحثِ والتّحليلِ» (4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المُعاصر، محمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة، ط.5، 1402-1982

(2) البَلاغةُ المُفتَرى عليها بين الأصالَة والتّبعيّة، فَضل حَسن عبّاس، دار النّفائس، الأردن، ط.1، 1432-2011، ص: 150.

(3) الخصائص، لابن جني، ج: 1 ، باب في الرّدّ على مَن ادّعى على العَرَب عنايتَها بالألفاظ وإغْفالَها المَعانيَ.

(4) بين العامّيّة والفُصحى، الأعمال الكامِلة لميخائيل نعيمه، دار العلم للملايين، بيروت، ط.1 /

مارس 1973، ج:7 / ص: 356-359.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

البعد التربوي لألفية ابن مالك الطائي الجياني (الحلقة الواحدة والعشرون)

البعد التربوي لألفية ابن مالك الطائي الجياني (الحلقة الواحدة والعشرون)

قال الناظم – رحمه الله تعالى -:

وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّقَا /// بِاللَّامِ كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى 

 *   *   *

ورد البيت في المساق الذي يذكر فيه الشيخ الناظم – رحمه الله تعالى –  المواضع التي يجب فيها كسر همزة «إنَّ»...

مجالس البلاغة «4»

مجالس البلاغة «4»

انعقد يوم الثلاثاء 22 محرم 1440 هـ الموافق لـ 2 أكتوبر 2018م، المجلس الرابع من مجالس البلاغة التي يشرف عليها الدكتور محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية...

مجالس الألفية ( الحلقة: 7)

مجالس الألفية ( الحلقة: 7)

انعقد يوم الاثنين 21 محرم 1440هـ الموافق لـ 01 أكتوبر 2018م، بمركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية المجلس السابع من «مجالس الألفية»، يؤطره الدكتور عبدالرحمن بودرع...