التعريف بمصادر لغوية

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري - الحلقة الثالثة-
قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
- الحلقة الثالثة-
القسم الرابع من الكتاب: أسماء الإشارة 
انتقل حديث المؤلفة بعد ذلك إلى قسم رابع اختص بأسماء الإشارة،  وقد تكون هذا الباب من فصلين، وقد عالجت المؤلفة الفصل الأول في ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول في التعريف بأسماء الإشارة وإبهامها، وعلاقتها بلفظ مبهم لدى القدماء، مبينة أن النحاة بشكل عام في حدهم للمبهم يسلكون أحد طريقين: 
- يربطون الإبهام بالمعنى اللغوي؛ وهو الاشتباه والاختلاط، مستشهدة بما قاله البعلي:«والمبهم من أبهمت الشيء؛ إذا جعلته مشتبها بغيره»[1] 
- يحدونه مصطلحا اختص ببعض المفردات اللغوية، وهي غالبا ما تكون أسماء الإشارة والأسماء الموصولة، مشيرة إلى ما قاله الصنعاني:«أما المبهم؟ فهو كل اسم أشير به إلى ذات معروفة، ونبه به عنها» فقد جعل الصنعاني الإبهام مقتصرا على الأسماء، وهو يخصه بأسماء الإشارة دون غيرها.[2] 

 

القسم الرابع من الكتاب:أسماء الإشارة 

انتقل حديث المؤلفة بعد ذلك إلى قسم رابع اختص بأسماء الإشارة،  وقد تكون هذا الباب من فصلين، وقد عالجت المؤلفة الفصل الأول في ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول في التعريف بأسماء الإشارة وإبهامها، وعلاقتها بلفظ مبهم لدى القدماء، مبينة أن النحاة بشكل عام في حدهم للمبهم يسلكون أحد طريقين:

 - يربطون الإبهام بالمعنى اللغوي؛ وهو الاشتباه والاختلاط، مستشهدة بما قاله البعلي:«والمبهم من أبهمت الشيء؛ إذا جعلته مشتبها بغيره»[1]

 - يحدونه مصطلحا اختص ببعض المفردات اللغوية، وهي غالبا ما تكون أسماء الإشارة والأسماء الموصولة، مشيرة إلى ما قاله الصنعاني:«أما المبهم؟ فهو كل اسم أشير به إلى ذات معروفة، ونبه به عنها» فقد جعل الصنعاني الإبهام مقتصرا على الأسماء، وهو يخصه بأسماء الإشارة دون غيرها.[2] 

- ومنهم من لا يحده بحد، وإنما يكتفي بالتمثيل عليه، كما هو في قول ابن السراج:«فأما المبهم فنحو: هذا، وتلك، وأولئك ».

وقد تبين إجماع القدماء على كون أسماء الإشارة على رأس المبهمات، وكونها من الكلمات الفارغة من جهة المعنى؛ فهي لا تدل على معنى في ذاتها، وإنما بما ترتبط به من مشار إليه، فالمتكلم عندما يقول: «هذا»، فإن المخاطب لا يعنى بالبحث عن معناه اللغوي، بقدر ما يعنى بالبحث عن مرجعه [3] ولهذا الفراغ دور في إبهام أمر المشار إليه على المخاطب، كما أشارت أن القدماء أرجعوا الإبهام في استعمال أسماء الإشارة إلى سببين: احتمالية التعدد في المشار إليه عند الإشارة إليه في الخطاب الواحد، وقابليتها للتلون مع كل خطاب، وقد تبين أن أسماء الإشارة قابلة للتلون مع كل خطاب؛ يجعل المشار إليه مبهما لدى المخاطَب، فهو مختلف في كل مرة تحدث فيها الإشارة، حتى إنه في الخطاب الواحد قد يشار باسم الإشارة في عبارة واحدة لشيئين مختلفين في نحو: اقرأ هذا، وهذا، وهي خاصية  يشترك فيها معها ضمائر المتكلم والمخاطب، إلا أنها لم تعد من المبهمات؛ لأن المخاطب تكفيه المواجهة التي بينه وبين المتكلم، فلا يتردد في أن «أنا» يعود على المتكلم و«أنت» يعود عليه مخاطَبا، في حين أن أسماء الإشارة، يشار بها إلى ما يحضر المخاطَب من أشياء أو ذوات، وبينت المؤلفة أن للمقام دورا في إزالة إبهام أسماء الإشارة وقد عكس ارتباطها الوثيق به.  [4] 

كما بينت المؤلفة نقطة مهمة في هذا الصدد، وهي أن الإبهام ليس مقابلا للتعريف أو ضده وإنما «المعرفة» أو«التعريف» يقابلها «النكرة» أو «التنكير» ولا يقابلها «المبهم» أو «الإبهام»، وخلصت إلى استنتاج مفاده أن الغرض من ذكر المبهم ليس هو الغرض من ذكر النكرة، وقد يلجأ المتكلم إلى بعض القرائن اللفظية، أو الحضورية المقامية إذا ما لمح المخاطَب مترددا في تحديد المشار إليه، والجمع بين الإبهام والتعريف لأسماء الإشارة ليس من قبيل الجمع بين الضدين، ولا وجود لمعارف وضعية وأخرى استعمالية، فالتعريف إنما يكون بالاستعمال، والمعرفة إنما هي معرفة باستعمالها في خطاب ما.

والمبحث الثاني عالجت فيه منى جابري أسماء الإشارة والنداء وبيَّنت أنه توجد قواسم مشتركة بين أسماء الإشارة والنداء في إشارتهما المقامية، وبين الإشارة باعتبارها أسلوبا تعبيريا والنداء أوجه اتفاق مثيرة، وبينهما أوجه اختلاف، مستعينة بما قاله السيوطي في نصه:«تعريف الإشارة: إيماء وقصد إلى حاضر، ليعرفه المخاطب بحاسة النظر، وتعريف النداء: خطاب لحاضر، وقصد لواحد بعينه، فلتقارب معنى التعريفين، صارا كالتعريف الواحد، ولذلك شبه الخليل تعريف النداء بالإشارة، في نحو: يا هذا الرجل، وشبهه؛ لأنه في الموضعين: قصد وإيماء إلى حاضر»

إن هذا النص، برغم أنه يبين وجه الشبه بين تعريف النداء، وتعريف الإشارة، إلا أنه في الوقت نفسه يبين الفرق بينهما؛ فتعريف النداء خطاب لحاضر، في حين أن تعريف الإشارة إيماء وقصد إلى حاضر، ليعرفه المخاطب، فالمنادى مخاطب، والمشار إليه ليس كذلك؛ وهذا يعني أن النداء يدل على شيئين هما: القصد، والإشارة إلى حاضر، وكذلك الأمر فيما يتعلق باسم الإشارة؛ فهو إيماء وقصد إلى حاضر، ليعرفه المخاطب بحاسة النظر، وتعريف النداء خطاب لحاضر، وقصد لواحد بعينه، فلتقارب معنى التعريفين صارا كالتعريف الواحد. [5] 

 والمبحث الثالث جُعل  للحديث عن أسماء الإشارة وضمائر الغيبة، حيث بينت المؤلفة ربط القدماء والمحدثون بين أسماء الإشارة وضمائر الغيبة من خمسة جوانب هي:نمط حضور مرجعها أي حضور المشار إليه وحضور مرجع ضمير الغيبة، وإحالتها إلى مذكور في النص أي الربط النصي بين أسماء الإشارة وضمائر الغيبة، واستعمالها بواسطة حركة إيمائية بين أسماء الإشارة وضمائر الغيبة، وإحالة ضمير الغيبة إلى غير مذكور في النص،وكون ضمائر الغيبة ذات أصل إشاري، وأشارت أن الربط النصي الذي يقوم به اسم الإشارة إنما هو إحدى وظائفه المتأصلة فيه وليس وظيفة انزياحية أو مجازية تحتم القول بأنه أدى وظيفة منوطة بضمير الغيبة، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن القول إن اللفظ قد أدى وظيفة مجازية ليست له، لمجرد أنه استعمل في موضع كان من المتوقع فيه استعمال لفظ آخر غيره؛ فقد يشترك لفظان في إحدى وظائفهما التي يؤديانها في الخطاب، إلا أنهما لا يتطابقان في وظائفهما جميعها، إذ لابد أن يكون لكل منهما خصوصيته، وانطلاقا من هذه الخصوصية يتم ترشيحه دون غيره في الخطاب، فالمتكلم ينتقي اللفظ المناسب لأغراضه ومقاصده.[6] 

كما بينت أن الإشارة الإيمائية، هي الجانب غير الملفوظ لاستعمال أسماء الإشارة للقريب أو أنها مشير غير منطوق، قد يستعمل منفردا، أو يأتي مصاحبا لغيره من المشيرات الأخرى، هذا يعني أن استعمال ضمائر الغيبة بمصاحبة الحركة الإيمائية إلى مرجعه لا يخوله أن يكون مشيرا مقاميا. مشيرة أن ضمير الغيبة إذا ما أحال إلى غير مذكور سابق في السياق اللغوي أو أحال إلى متعدد وإذا ما تقدم إلى مرجعه فإنه بذلك لا يكون مؤديا وظيفة اسم الإشارة أو حالا محله وإنما ذلك يعود إلى تصرف المتكلم في كلامه بما يتناسب وعلاقته بالمخاطب أو علاقته بما يقول. [7] 

كما وضحت أنه لا حجة في الاستناد إلى وجود الهاء في كل من أسماء الإشارة وضمائر الغيبة في القول بأن ضمائر الغيبة ضمائر إشارية، فطبيعة وجودها مختلفة في كليهما، ممثلة لذلك بقولها: فما يتعلق بالعربية، التي نحن بصدد دراسة بعض وحداتها، نجد الهاء مكونا موجودا في أسماء الإشارة، وضمائر الغيبة، ولكن ها هنا أمر يجب التنبه إليه هو أن هذه الهاء موجودة في أسماء الإشارة، زائدة على بنية الكلمة، فقد تحدث الإشارة بدونها في نحو: ذا كتابي، ذاك كتابي، ذلك كتابي، أما ضمائر الغيبة فالهاء فيها من بنية الكلمة، ولئن اختلف النحاة البصريون والكوفيون حول «الواو»و«الياء»في «هو»و«هي» فرأى جمهور البصريين أنهما أصلان في الضمير، ورأى جمهور الكوفيين «الهاء» وحدها هي الاسم و «الواو» و«الياء» صلة، إلا أنهم لم يختلفوا في أن «الهاء» أصل في ضمير الغيبة، وهذا يعني أن الاعتماد على التشابه في وجود «الهاء» في كليهما لا يمكن الاعتداد به؛ فطبيعة وجودها في كل منهما مختلفة.[8] 

أما الفصل الثاني من هذا القسم فيتعلق في جملته بالمشار إليه، اختص المبحث الأول بالمشار إليه متكلما ومخاطبا وغائبا، حيث أشارت المؤلفة إلى ثلاث حالات اقترن فيها استعمال اسم الإشارة بالضمير هي: «ها أنا ذا»، «ها أنت ذا»، «هاهو ذا»،ويحكم على الغرض منها من خلال المقام التي ترد فيه، فقد تستعمل في مقام يعين فيه المتكلم المشار إليه، أو في مقام يؤكد فيه على وجود المشار إليه، أو في مقام يشير فيه إلى حضور مرجع المشار إليه بعد غيابه وقد يستعملها المتكلم ليعبر بها عن علاقته بما يقول أو علاقته بالمخاطب ممثلة لذلك بنصوص من درر علماء الفحول كالسهيلي، وابن يعيش، والرضي، منبهة على أن استعمال ضمير الغائب في نحو عبارة: ها هو ذا، لا يخول ضمير الغيبة أن يكون مشيراً مقاميا حتى وإن حضر مدلوله في الحضرة؛ ذلك أن المتكلم عندما استعمل «هو» كان يريد الاعتماد على المعرفة العهدية بينه وبين المخاطب في مرجع «هو» ومن ثم أشار إليه بـ «ذا» على أنه حاضر موجود في الحضرة، ممثلة بما توضحه المحادثة الآتية:

الأب: يا سعيد أين كتابي؟

الابن: هاهو ذا.

فقد استعمل الابن «هو» بالاعتماد على المعرفة العهدية في كتاب مخصوص بينه وبين والده، واستعمل «ذا» ليشير إلى حضوره. [9] 

كما بينت منى جابري في المبحث الثاني من هذا الفصل نظرة عبد القاهر الجرجاني  إلى اللفظ الدال على المشار إليه من زاويتين كان في إحداهما قرينة لفظية لرفع اللبس عن المشار إليه وكان في الأخرى توكيدا،

ونظرة ابن عاشور في قوله: «أصل أسماء الإشارة؛ أن يستغنى بها، عن زيادة تبيين المشار إليه، تبيينا لفظيا؛ لأن الإشارة بيان، وقد يزيدون الإشارة بيانا، فيذكرون بعد اسم الإشارة اسما، يعرب عطف بيان، أو بدلا من اسم الإشارة؛ للدلالة على أن المشار إليه، قصد استحضاره من بين أوصافه، كقولك: هذا الرجل يقول كذا، ويتأكد ذلك، إن تركت الإشارة باليد، اعتمادا على حضور المراد من اسم الإشارة»، حيث يرى أن الأصل الاستغناء عن القرينة اللفظية وأن الإشارة في ذاتها بيان، فيكون استعمالها توكيدا واستحضارا لصفاته.

وهذان الرأيان  يتفقان في القول بأن الأصل أن يقتصر على التلفظ بأسماء الإشارة، دون أن يذكر معها لفظ آخر يدل على المشار إليه، أو ما يسمى بالقرينة اللفظية، وهذا إنما يكون في حالة تفرد المشار إليه بالوجود في الحضرة، أو معرفة المخاطب المقصود بمجرد إجراء الإشارة. [10] 

وفي المبحث الثالث بينت منى جابري أن أسماء الإشارة لها ثلاث حالات استعمالية متعلقة بدلالتها على المدى الفاصل بين المتكلم والمشار إليه هي:

- بدون لواحق أو زوائد نحو: ذا، وأولاء، تكون للقريب.

- بلاحقة سابقة لها، وهي هاء التنبيه نحو: هذا، وهؤلاء، تكون للقريب.

-   بلاحقة بعدها، وهي كاف الخطاب، ولام البعد نحو: ذاك وذلك وتكون للبعيد فقط، أو للبعيد، والمتوسط على اختلاف الآراء فيها.

وأضافت أن هناك ثلاثة أمور أخرى متعلقة بمسألة البعد والقرب، هي طبيعة هذه المسافة، وارتباطها بمقاصد المتكلم  من خطابه، وعلاقته بالمشار إليه، كما أن المدى الفاصل بين المشير والمشار إليه إنما يكون على ثلاثة أنماط: مدى مكاني، وآخر زماني، وثالث نفسي أو علائقي؛ فالمكاني إنما يتحدد بنقطة وجود المتكلم أثناء إجراء الإشارة، أما الزماني فهو يتحدد بآن التكلم، في حين يكشف المدى العلائقي عن علاقة المتكلم «المشير» بالمشار إليه، وقد يحدث التطابق بين البعد الفيزيائي والبعد النفسي وقد ينعدم هذا التطابق، كما أشارت إلى حديث القدماء عن التناوب في استعمال أسماء الإشارة للقريب، وأسماء الإشارة للبعيد كما وردت مثلا عند «السكاكي» و«الطيبي» و«العلوي» و«السيوطي»، فقد أجمعوا، على أن أسماء الإشارة قد يتجوز في استعمالها، فتنوب أسماء الإشارة للبعيد، عن أسماء الإشارة للقريب أو العكس، ويحدث هذا التناوب عندما يشار باسم الإشارة للبعيد لشيء قريب مستشهدة  بما قاله السيوطي في همع الهوامع في شرح جمع الجوامع :«قد ينوب ذو البعد عن ذي القرب، وذو القرب عن ذي البعد، إما لرفعة المشار إليه، والمشير... أو ضعتهما»[11]، وفي هذا المقام بينت منى جابري أنه لا وجود لهذا التناوب في استعمال أسماء الإشارة، وإنما علاقة المتكلم بالمشار إليه هي التي تؤدي إلى انتقاء اسم الإشارة المناسب معها، فاسم الإشارة قد يقيس بعدا  متناسبا وعلاقة المشير بالمشار إليه غير البعد الفيزيائي، وبناء على هذا لا يوجد تناوب في استعمال أسماء الإشارة، ومن جهة أخرى فإن المتكلم قد يتخيل القريب بعيداً، والبعيد قريبا فيعكس في إشارته ما يراه ويعتقده وإن لم يكن متطابقا مع الوضع المادي للمشار إليه، وفي هذه الحالة لا وجود للتناوب بين أسماء الإشارة، و في هذا المقام توصلت منى جابري إلى نتيجة مفادها أن المشير المقامي لا توجد صورة مرجعه وهيئته في البعد الفيزيائي فقط، وإنما هو الذي يراه المتكلم موجودا في حضرته، أو أن علاقته هو به علاقة تلازم، أو اتصال وليس انقطاع وغياب. [12] 

أما المبحث الرابع والأخير فهو من أصغر المباحث حجما في هذا الفصل، أشارت فيه المؤلفة إلى دلالة أسماء الإشارة على زمن إجراء الخطاب وحصرتها في طريقتين: إجراؤها الآني، وإشارتها الصريحة إليه.

تعليق:

من خلال هذا الباب تبين أن ارتباط أسماء الإشارة بالمقام التخاطبي، والإجراء الآني للخطاب جد وثيق، وأن أسماء الإشارة مبهمة بالإجماع، والسبب في إبهامها إنما هو احتمالية التعدد في المشار إليه، وقابليتها للتعدد مع كل خطاب تستعمل فيه، وأن اجتماع خاصيتي الإبهام والتعريف في أسماء الإشارة ليس من قبيل الجمع بين الضدين، وأن اسم الإشارة لا يحل محل ضمير الغيبة في الربط النصي وإنما يؤدي هذه الوظيفة بالأصالة وليس بالنيابة، ولا يحل ضمير الغيبة محل اسم الإشارة، كما بينت المؤلفة أن إحالة ضمير الغيبة إلى غير مذكور في السياق ليس ذريعة للقول بأنه أدى وظيفة إشارية تشبه الإشارة بأسماء الإشارة، وكذلك إذا ما استعمل بمصاحبة حركة إيمائية إلى المشار إليه، ذلك أن ظاهرة استعمال أسماء الإشارة في تراكيب توحي باتحاد مرجع اسم الإشارة بالمتكلم أو بالمخاطب أو بالغائب قد نظر إليها القدماء من ثلاث زوايا هي: تصرف المتكلم في أجزاء الخطاب، ودخول هاء التنبيه على الضمير، ورغبة المتكلم في التعبير عن علاقته بما يقول، وقد تبين أن نحو هذه العبارات يحكم على الغرض منها من خلال المقام التي تستعمل فيه، وعلاقة المتكلم بما يقول أو علاقته بالمخاطب، وأن أسماء الإشارة إذا ما استعملت مشيراً مقاميا، فإنها لا تنفك من الدلالة على الزمن، سواء أكان ذلك عن طريق الإجراء الآني للإشارة، والدلالة على الوجود في الحضرة، أم عن طريق الإشارة الصريحة إلى زمن الحدث التخاطبي، كما بينت في هذا المقام أن اسم الإشارة من المشيرات التي لا تكتفي بتعيين المشار إليه وإنما تتجاوز ذلك إلى قياس البعد الفاصل بين المشير والمشار إليه سواء أكان بعدا فيزيائيا، أم بعدا نفسيا أم اجتماعيا، أم زمنيا، وقد عد القدماء عدم حدوث تطابق بين وضع المشار إليه المادي ووضعه في الحدث التخاطبي بأنه من باب التجوز في استعمال أسماء الإشارة للقريب وأسماء الإشارة للبعيد، وقد بينت منى جابري أنه لا وجود لهذا التناوب وإنما اسم الإشارة المستعمل قد يقيس بعدا علائقيا يتطابق فيه وضع المشار إليه في الحدث التخاطبي من جهة القرب والبعد.

أما الباب الثاني والذي يتعلق بالجانب التطبيقي سيتم فيه دراسة الظواهر المطروحة في الباب الأول من جهة وجودها في الخطاب القرآني، وطبيعة استعماله لها، ومدى تناسبها وعلاقة المتكلم بالمخاطب، وعلاقته بالمشار إليه، وعلاقته بما يقول، مركزة اهتمامها على طبيعة وجود هذه الظواهر في الاستعمال القرآني، موضحةً أن استعمال أسماء الإشارة مشيرا مقاميا في القرآن أقل من استعماله عائدا نصيا، وذلك من خلال تمهيد وفصلين، قدم التمهيد تصورا حول السمة الغالبة على استعمال أسماء الإشارة في القرآن من جهة كونها مشيرات مقامية أو محيلات نصية؛ وبينت أنه يغلب عليها محيلات نصية، أما الفصل الأول فقد تناول اتحاد المشار إليه بالمتكلم والمخاطَب في القرآن، وبينت أن استعمال أسماء الإشارة في الإشارة إلى ذات المخاطَب في القرآن قد جاء على ثلاثة أوجه: «أنتم هؤلاء» ومنه قوله تعالى:«ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»[سورة البقرة، الآية:85]، و«ها أنتم هؤلاء»كما في قوله تعالى:«هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» »[سورة آل عمران، الآية:66] وقوله تعالى:« هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»[سورة النساء، الآية:109]، والوجه الثالث:«ها أنتم أولا»ومنه قوله تعالى:«هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ» [سورة آل عمران، الآية:119]

وهذه الأوجه تشترك في حدوث الإشارة في حشو الخطاب؛ حيث يخاطب المخاطب أولا ومن ثم يشار إليه، ثم يستأنف خطابه مرة أخرى، وقد يوهم هذا الاستعمال أنه من باب الالتفات؛ حيث يتحول المخاطَب من مخاطَب إلى متحدث عنه مشار إليه باسم الإشارة؛ وهي ليست من باب الالتفات من خطاب المخاطَب إلى الإشارة إليه من جهة أن الخطاب ظل موجها إلى المخاطَب، والذي حدث أنه قد انشقت ذاتٌ أخرى عن المخاطَب أشير إليها وبقي الخطاب كما هو مستمرا للمخاطب ولمن يعرض عن مخاطبته إلى الإشارة إليه حيث الإشارة موجهة إليه على اعتباره مخاطبا وموجهة إليه على اعتباره مشاراً إليه. [13]   

أما الإشارة إلى ذات المتكلم في نحو: ها أنا ذا، بينت منى جابري أن هذا الاستعمال غير موجود في القرآن الكريم، وإنما يشير المتكلم إلى نفسه بعد أن يتحدث عنها ويعدد صفاتها؛ ولكن حدثت إحالة إلى المتكلم بوجه آخر وهي من باب الإحالة النصية استعمل فيها اسم الإشارة بعد تعديد صفات الله عز وجل أو أفعاله بهدف ربط الصفات باسم الذات الموصوفة، ثم الحديث عن إشارة أسماء الإشارة الصريحة إلى الأزمنة من ناحيتين: طبيعة الأزمنة المشار إليها، وعلاقة المخاطب بتلك الأزمنة، وقد تبين أن الإشارة المقامية إلى زمن الحدث التخاطبي في القرآن إنما كانت إلى الحياة الدنيا أو إلى يوم من أيام الدنيا الحاضرة، وأن الإشارة إليه ليست من باب تعيينه للمخاطب وإنما لأغراض أخرى تخدم العملية التخاطبية، وتشير إلى علاقة المشار إليه بالمخاطب، ومن المواضع التي أشير فيها إلى زمن الخطاب باسم الإشارة للقريب، هي تلك المواضع التي أشير فيها إلى الحياة الدنيا التي تمثل الزمن الحاضر المقابل للزمن المستقبل «القيامة» قوله تعالى:«وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ» »[سورة هود، الآية:60]، وكذلك قوله تعالى:«وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ»[سورة القصص، الآية:42] حيث أشير إليه في إطار الحديث عن الجزاء الممتد من الزمن الحاضر إلى الزمن المستقبل. [14] 

وفي مبحث آخر أجابت منى جابري عن عدة تساؤلات تم طرحها في الباب الأول بخصوص حذف القرينة اللفظية الدالة على المشار إليه وتبين أن قوة حضور المشار إليه في الحضرة، هي عامل من العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، ولكنها ليست العامل الوحيد وإنما هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية عنه، والاستغناء عن القرينة اللفظية في إدراك المشار إليه، بالرجوع إلى علاقة المشير بالمشار إليه. [15] وبعد ذلك تم الانتقال إلى الفصل الثاني والذي  اختص بدلالة أسماء الإشارة بين القرب والبعد في القرآن الكريم، حيث ركزت فيه منى جابري على المدى الذي تقيسه أسماء الإشارة في الخطاب القرآني وذلك من ثلاثة جوانب:

- مدى تناسب اسم الإشارة المستعمل من جهة دلالته على القرب والبعد وعلاقة المشير بالمشار إليه.

- استغلال ما تدل عليه أسماء الإشارة من قرب أو بعد في تقريب المشار إليه من المخاطب أو إبعاده عنه.

- الإشارة الاستشهادية في القرآن الكريم«الإشارات التي تربط فيها القضية بالشاهد عليها» 

ووضحت أن المشير قد لا يريد من إشارته الدلالة على البعد الفيزيائي للمشار إليه، وإنما لقياس بعد اجتماعي أو نفسي بينه وبين المشار إليه، وأن المتكلم قد يقرب المشار إليه من المخاطب في مستوى القول وإن كان بعيدا في العالم الخارجي أو يبعده عنه وإن كان قريبا في العالم التخاطبي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

 [1] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:333]

[2] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:334]

[3] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:334]

[4] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:335]

[5] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:345]

 [6] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:351]  . 

[7] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:353]   

[8] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:360]  

[9] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:367]

[10] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:367]   

[11] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:375]   

[12] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:375-376]   

[13] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:388-389]

[14] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:397]     

[15] [المشيرات المقامية في القرآن، منى جابري ص:398]



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري - الحلقة الثانية-

قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
- الحلقة الثانية-

أما القسم الثالث فيتعلق في جملته بقسم النداء باعتباره يمثل بوجه من الوجوه مشيراً مقاميا إلى الذات المراد مخاطبتها، وكانت أهداف المؤلفة في هذا القسم تقديم دراسة نظرية للنداء للوقوف على ما توصلت إليه الدراسات السابقة فيما يتعلق باستعمال النداء، وتقديم دراسة نظرية لبعض المسائل التي سيتم دراستها في النداءات القرآنية في الباب الثاني، وقد تكون من فصلين...

قراءة في كتاب المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري -الحلقة الأولى-

قراءة في كتاب  المشيرات المقامية في القرآن لمنى جابري
-الحلقة الأولى-

كان مما دعا منى جابري  إلى تأليف كتابها هذا ما ذكرته في مقدمة الكتاب حيث تقول:«لقد دعت الضرورة  إلى دراسة المشيرات المقامية في القرآن الكريم؛ لأسباب منها ما يتعلق بالنص موضع الدراسة، ومنها ما يتعلق بالمشيرات المقامية نفسها...

معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي (الحلقة الثالثة)

معاني حروف المعاني من خلال كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية للمرصفي
(الحلقة الثالثة)

قدمنا في الحلقتين السابقتين تعريفا بأهم مضامين كتاب الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية لمؤلفه حسين أحمد المرصفي، فكان المجلد الأول بمنزلة تمهيد للفنون الأدبية التي تناولها بعد ذلك بالشرح والتفصيل في المجلد الثاني من نحو وصرف وبلاغة وبيان وبديع...